فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك ، والظاهر أن هذا النظم من قوله: {وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ} إلى قوله: {وَقَالَ الذين كَفَرُواْ} نازل في المنافقين لما يظهر من السياق ، ولقوله: {وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين} فإنها لتقرير ما قبلها وتأكيده ، أي ليميزنّ الله بين الطائفتين ويظهر إخلاص المخلصين ونفاق المنافقين ، فالمخلص الذي لا يتزلزل بما يصيبه من الأذى ويصبر في الله حق الصبر ، ولا يجعل فتنة الناس كعذاب الله.
والمنافق الذي يميل هكذا وهكذا ، فإن أصابه أذى من الكافرين وافقهم وتابعهم وكفر بالله عزّ وجلّ ، وإن خفقت ريح الإسلام وطلع نصره ولاح فتحه رجع إلى الإسلام ، وزعم أنه من المسلمين.
{وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ اتبعوا سَبِيلَنَا} اللام في {للذين آمنوا} هي لام التبليغ ، أي قالوا مخاطبين لهم كما سبق بيانه في غير موضع ، أي قالوا لهم اسلكوا طريقتنا ، وادخلوا في ديننا {وَلْنَحْمِلْ خطاياكم} أي إن كان اتباع سبيلنا خطيئة تؤاخذون بها عند البعث ، والنشور كما تقولون ، فلنحمل ذلك عنكم ؛ فنؤاخذ به دونكم.
واللام في {لنحمل} لام الأمر كأنهم أمروا أنفسهم بذلك.
وقال الفراء والزجاج: هو أمر في تأويل الشرط والجزاء ، أي إن تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم ، ثم ردّ الله عليهم بقوله: {وَمَا هُمْ بحاملين مِنْ خطاياهم مّن شَيْء} من الأولى بيانية.
والثانية مزيدة للاستغراق ، أي وما هم بحاملين شيئاً من خطيئاتهم التي التزموا بها ، وضمنوا لهم حملها ، ثم وصفهم الله سبحانه بالكذب في هذا التحمل فقال: {إِنَّهُمْ لكاذبون} فيما ضمنوا به من حمل خطاياهم.
قال المهدوي: هذا التكذيب لهم من الله عزّ وجلّ حمل على المعنى ؛ لأن المعنى: إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم ، فلما كان الأمر يرجع في المعنى إلى الخبر أوقع عليه التكذيب كما يوقع على الخبر.