الجن من يقوم بذلك.
ولعل هذا العرش إنما ظهر الاقتدار عليه بالجن والإنس، وبركة علم العالم
بالكتاب وبالحقيقة، فإن ما كان مجيء العرش إلا بالقدرة من الله - جلَّ جلالُه - فإن الجن
والإنس لا يبلغون مبلغ هذا الأمر المذكور، فعلى هذا ينبغي لنا ألَّا ننكر أن يكون
لهم مصانع معجبة باطنة عنا، ومماليك ومدن ومساكن وجنات وموجودات غائبة
عنا ظاهرة لهم، لما لم يشركهم الإنس في صنعها لم تظهر، ولما كانت من صنعهم
على انفراد بها تناهت في العجب وبطنت.
والذي يعطيه العلم ويحكم به الوجود، أن مبانيهم تلك ومصانعهم تخرقها
أجسامنا ولا تمتنع منا؛ لأنها باطنة، وفي حكم الغيب عنا، كما تخرق أجسامهم
مصانعنا؛ لأنها ظواهر، وهم في حكم الغيب عنها، قال الله - جلَّ جلالُه -:(وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ
يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ)أي: عمل انفراد.
ومما ينبغي أن نعلمه أن الجن لا يتعذر عليهم أن تخرق أبصارهم مصانعنا ولا
نخرق مصانعهم، لأنهم مفروض عليهم الستر والعفاف كما هو مفروض علينا،
وإنما نتحرز نحن منهم بأسماء الله وذكره، قال الله - جلَّ جلالُه -:(إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ
حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ).
قوله تعالى: (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي) هذا
منتظم بوجه ما بمعنى قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) . وقول سليمان عند سماعه كلام
النملة: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ)
المعنى كله حيث وقع.
وهذا أدب من بلغه الله إلى كرامته، وأظهر له من المقدور الغائب ما يكون
برهانُا له على مواهبه التي يؤتيه من فضله أن يرد النعمة إلى وليها - جل ذكره -
ويتبرأ له من الحول والقوة، ويلزم نفسه ذل العبودية ويخضع، وليستشعر البلوى
من الله وسلب النعمة، وأنه ليؤاخذه بحقه عنده، كان من أحسن عباده قدرًا عنده