مثلما أسلفنا القول في الصفحات السابقة فإن الأمر حسب ادعاء داروين يعتمد على قانون الانتخاب الطبيعي، أي أنّ الكائنات الحية التي تستطيع أن تتكيف مع شروط الوسط الذي تعيش فيه تستطيع مواصلة حياتها والحفاظ على نسلها، وأمّا الكائنات الضعيفة التي لا تستطيع التكيف مع تلك الشروط فهي معرضة للهلاك والفناء، وبناء على هذا يكون التعريف المنطقي للطبيعة وفقاً لقانون الانتخاب الطبيعي لداروين هو المكان الذي تقوم فيه الكائنات الحية بكفاح مرير فيما بينها من أجل البقاء فيبقى القوي ويفنى الضعيف.
واستناداً إلى هذا التعريف يجب على كل كائن حي أن يكون قوياً ومتميزاً بالقوة عن الآخرين في سبيل الكفاح والبقاء. وفي وسط مثل هذا لا يمكن الحديث عن بعض الميزات مثل الإيثار والتضحية والتكافل، فهي قد تصبح ذات آثار سلبية على الكائن الحي نفسه. ووفقاً لهذا المنطق يتميز بمنتهى الأنانية ولا همّ له سوى البحث عن الغذاء وإنشاء البيت الذي يؤويه وحماية نفسه من خطر الأعداء.
ولكن هل صحيح أن الطبيعة هي المكان الذي يضمّ كائنات تخوض صراعاً مريراً للقضاء على بعضها بمنتهى الوحشية والأنانية؟. إن الأبحاث الجارية بهذا الشأن حتى يومنا هذا قد أبطلت ادّعاءات دعاة التطور. فالطبيعة تحوي في أركانها أمثلة لا حصر لها تكشف صوراً غاية في التضحية من أجل الآخرين.
يذكر جمال يلدرم في كتابه"التطرف وقانون التطور".
أن الأسباب التي جعلت داروين وغيره من رجالات العلم في عصره يصورون الطبيعة على أنها تمثل مسرحاً للحرب بين الأحياء يمكن إجمالها في النقاط التالية: كان رجال العلم في القرن التاسع عشر يقبعون في مختبراتهم أو أماكن عملهم لمدة طويلة ولا يدرسون الطبيعة ميدانياً ولهذا ذهب خيالهم ببساطة إلى الاستسلام لفكرة كون الكائنات الحية في حالة حرب صامتة فيما بينها، وعالم فذ مثل هالي Haleyلم يستطع إنقاذ نفسه من براثن هذا الوهم (11) .