اليماني: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها، وأما سليمان فإنه نزل على غير ماء، فسأل عن الماء الجن والإنس فلم يعلموا، فتفقد الهدهد فلم يره، فدعا بعريف الطير وهو النسر، فسأله عن الهدهد فقال: أصلح الله الملك، ما أدري أين هو، وما أرسلته إلى مكان، فغضب سليمان وقال: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} الآية، ثم دعا بالعقاب وهو أشد الطير طيراناً، فقال له: علي بالهدهد الساعة، فارتفع العقاب في الهواء حتى نظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدين أحدكم، ثم التفلت يمنياً وشمالاً، فرأى الهدهد مقبلاً من نحو اليمن، فانقض العقاب يريده، وعلم الهدهد أن العقاب يقصده بسوء، فقال: بحق الذي قواك وأقدرك علي، إلا ما رحمتني ولم تتعرض لي بسوء، فتركه العقاب وقال: ويلك ثكلتك أمك، إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، فصارا متوجهين نحو سليمان عليه السلام، فلما انتهيا إلى العسكر تلقاه النسر والطير وقالا له: ويلك أين غبت في يومك هذا؟ فلقد توعدك نبي الله، وأخبراه بما قال سليمان، فقال الهدهد: أو ما استثنى نبي الله؟ فقالوا: بلى إنه قال: {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} فقال نجوت إذاً، وكانت غيبته من الزوال، ولم يرجع إلى بعد العصر، فانطلق به العقاب حتى أتيا سليمان، وكان قاعداً على كرسيه، فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله، فلما قرب من الهدهد، رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض، تواضعاً لسليمان عليه الصلاة والسلام، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه وقال له: أين كنت؟ لأعذبنك عذاباً شديداً، فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل، فلما سمع سليمان عليه الصلاة والسلام ذلك، ارتعد وعفا عنه ثم سأله: ما الذي أبطأك عني؟ فقال الهدهد: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} إلى آخره.
قوله: {فَمَكَثَ} أي الهدهد.
قوله: (بضم الكاف وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان والأول من باب قرب والثاني من باب نصر.
قوله: (أي يسيراً من الزمان) أي وهو من الزوال إلى العصر.
قوله: (فعفا عنه) أي من أول الأمر قبل أن يذكر العذر.