فإن قيل: هذا النداء يجوز أن يكون من عند غير الله تعالى ، فكيف علم موسى أنه من الله تعالى ؟
أجيب: بأنه سمع الكلام المنزه عن شائبة كلام المخلوقين لأنّ النداء أتاه من جميع الجهات وسمعه بجميع الحواس كما مر ، فعلم بالضرورة أنه صفة الله سبحانه وتعالى ، ثم أرى الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام آية تدلّ على قدرته ليعلم علم شهود وهي قوله تعالى:
{وألق عصاك} فألقاها كما مرّ فصارت في الحال ، كما آذنت به الفاء حية عظيمة جدّاً ، ومع كونها في غاية العظم في نهاية الخفة والسرعة في اضطرابها عند محاولتها ما تريد {فلما رآها تهتز} أي: تضطرب في تحرّكها مع كونها في غاية الكبر {كأنها جان} أي: حية صغيرة في خفتها وسرعتها فلا ينافي ذلك كبر جثتها {ولى} أي: موسى عليه السلام ثم إنّ التولية مشتركة بين معان ، فلذا بين المراد منها بقوله تعالى: {مدبراً} أي: التفت هارباً منها مسرعاً جدّاً لقوله تعالى: {ولم يعقب} أي: لم يرجع على عقبه ولم يلتفت إلى ما وراءه بعد توليه.
تنبيه: قال الزمخشري: وألق عصاك معطوف على بورك لأنّ المعنى نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك كلاهما تفسير لنودي ، والمعنى قيل: له: بورك من في النار ، وقيل له: ألق عصاك انتهى. وإنما احتاج إلى تقدير وقيل له ألق لتكون جمله خبرية مناسبة للجملة الخبرية التي عطفت عليها لأنه يرى في العطف تناسب الجمل المتعاطفة ، والصحيح كما قاله أبو حيان: أنه لا يشترط ذلك ، ولما تشوّفت النفس إلى ما قيل له عند هذه الحالة أجيب: بأنه قيل له {يا موسى لا تخف} أي: منها ولا من غيرها ثقة بي ، ثم علل هذا النهي بقوله تعالى: مبشراً بالأمن والرسالة {إني لا يخاف لديّ} أي: عندي {المرسلون} أي: من حية وغيرها لأنهم معصومون من الظلم لا يخاف من الملك العدل إلا ظالم ، وقوله تعالى.