قالوا: ثم دعا بالعقاب سيد الطير فقال: عليَّ بالهدهد الساعة . فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى استقرَّ بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يميناً وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن فانقض العقاب نحوه يريده ، فلما رأى الهدهد ذلك عَلم أن العقاب يقصده بسوء فناشده فقال: بحق الله الذي قواك فأقدرك عليَّ إلاّ رحمتني ولم تتعرض لي بسوء .
قال: فولَّ عنه العقاب وقال له: ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك ، ثم طارا متوجهين نحو سليمان فلما إنتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير فقالوا له: ويلك أين غبت في نومك هذا ، فلقد توعدك نبي الله وأخبرّوه بما قال.
فقال الهدهد: أوما استثنى رسول الله؟ قالوا: بلى ، قال: أو ليأتيني بعذر بيّن . ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعداً على كرسيه . فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله.
فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض ؛ تواضعاً لسليمان ، فلمّا دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه وقال له: أين كنت؟ لأُعذّبنك عذاباً شديداً ، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله سبحانه ، فلمّا سمع ذلك سليمان ارتعد وعفا عنه.
أخبرني الحسن بن محمد الثقفي قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا محمد ابن إبراهيم بن أبي الرجال ببغداد قال: حدّثنا إبراهيم بن بسطام عن أبي قتيبة عن الحسن بن أبي جعفر الجعفري عن الزبير بن حريث عن عكرمة قال: إنّما صرف سليمان (عليه السلام) عن ذبح الهدهد لبرّه بوالديه.
قالوا: ثم سأله فقال: ما الذي أبطا بك عنّي؟ فقال الهدهد: ما أخبَر الله في قوله {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} قراءة العامّة بضم الكاف ، وقرأ عاصِم ويعقوب وأبو حاتم بفتحه وهما لغتان مشهورتان.