فهم سليمان قول النمل وصارت بمنزلة من يعقل في الفهم عنها ، أخبر عنها كما يخبر عن من يعقل ، فلذلك قال: {قَالَتْ} ، وقال: {ادخلوا} ولذلك أضاف إلى الطير منطقاً في قوله: {عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير} [النمل: 16] .
وروي: أن الله جلّ ذكره: فهم سليمان كلام الإنس باختلاف لغاتها ، وفهمه كلام الطير والبهائم ، وكان إذا أراد أن يسير على الأرض أمر بالكرسي فوضع له فجلس عليه ، ثم أمر بكراسي فوضعت لأصحابه فأجلس عليها من أراد ، فالذين يلونه الإنس ، ثم الجن ، ثم الشياطين ثم يأمر الريح فتحملهم بين السماء والأرض ، وإذا أراد صار على الخيل في الأرض ، فبينما سليمان ذات يوم يسير بين أيدي الناس على الأرض ، ورجلان معه أحدهما ختنه: زوج ابنته ، والآخر عن يساره من أهل مملكته كريم عليه ، ولم يكن أحد يسير بين يديه تواضعاً لله ، إذ مر على واد النمل وهو واد فيه نمل ، فسمع نملة تقول: {يا أيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} وكان قد أعطى الله سليمان زيادة في ملكه ألا يذكره أحد إلا حملت
الريح ذلك الكلام إليه حتى يسمعه ، فلما فهم سليمان كلام النمل تبسم ووقف فوقف الناس معه ، فقال الرجلان: ما يضحك نبي الله ؟ فأخبرهما بكلام النملة ، فلم يزل واقفاً حتى دخلت النمل مساكنها ثم سار.
وروى الأعمش عن نوف أنه قال: كانت نمل سليمان أمثال الذباب ، وكانت هذه النملة مثل الذيب في العظم.
قوله تعالى ذكره: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا} ،
أي فضحك سليمان من قول النملة ، وقال: {رَبِّ أوزعني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ} ، أي ألهمني الشكر على ما أنعمت به علي وعلى والدي وألهمني أن أعمل عملاً صالحاً ترضاه.
وقيل: معناه كفني عن الأشياء إلا عن شكر نعمتك . {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين} ، أي مع عبادك الصالحين ، يعني الأنبياء ، أي أدخلني معهم الجنة .