وقيل: إن الله أقلب له العصا في أول مرة جاناً ، وهو الحية الصغيرة لئلا يخاف ويجزع ، فلما أنس بها وأخذها وأرسلها . أرسله إلى فرعون ، فألقاها في الحال الأخرى بين يدي فرعون فصارت ثعباناً مبيناً ، والله أعلم ، وفي لفظ الآية
اختصار وحذف ، والتقدير: فألق عصاك ، فألقاها: فصارت حية تهتز ، فلما رآها تهتز كأنها جان أي حية ، والجان جنس من الحيات معروف.
وقوله: {ولى مُدْبِراً} ، أي هارباً خوفاً منها ، {وَلَمْ يُعَقِّبْ} ، أي ولم يرجع . يقال: عقب فلان: إذا رجع على عقبيه إلى حيث بدأ.
قال قتادة: ولم يعقب: لم يلتفت.
قال ابن زيد: لما ألقى موسى صلى الله عليه وسلم العصا صارت حية ، فرعب منها وجزع ، فقال الله تعالى: {إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون} ، فلم يركن لذلك فقال الله: {أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمنين} [القصص: 31] ، قال: فلم يقف أيضاً على شيء من هذا حتى قال الله جل ذكره: {سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى} [طه: 21] ، قال: فالتفت موسى ، فإذا هي عصا كما كانت / فرجع فأخذها ، ثم قوي بعد ذلك عليها حتى صار
يرسلها على فرعون ويأخذها.
وقوله جل ثناؤه: {لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون} ، أي عندي . ثم قال: {إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سواء} ، أي من ظلم فعمل بغير ما أذن له في العمل به.
قال ابن جريج: لا يخاف الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم ، فإن أصابه أخافه الله حتى يأخذه منه.
وقال الحسن: في الآية إنما أخيف لقتله النفس ، وقال الحسن أيضاً: كانت الأنبياء تذنب ، فتعاقب ثم تذنب والله فتعاقب.
وقوله: {إِلاَّ مَن ظَلَمَ} ، استثناء منقطع عند البصريين ، لأن حق الاستثناء أن يكون ما بعده مخالفاً لما قبله في المعنى.