وتعيين ذلك العذاب الشديدِ غيرُ ممكنٍ قطعاً، إلا تجويزاً واحتمالاً.
وعلى هذه الطريقة يَحْتَمِلُ كلَّ ما قيل فيه.
ويمكن أن يقال فإن وُجِدَ في شيءٍ نَقْلٌ فهو مُتَّبَعٌ.
وقد قيل هو نَتْفُ ريُشه وإلقاؤه في الشمس.
وقيل يفرِّق بينه وبين أليفه.
وقيل يشتِّت عليه وقتَه.
وقيل يُلْزِمُه خدمة أقرانه.
والأَولى في هذا أن يقال من العذاب الشديد كيت وكيت، وألا يُقْطَعَ بشيءٍ دون غيره على وجه القطع.
فَمِنَ العذاب الشديد أن يُمْنَعَ حلاوة الخدمة فيجد أَلَمَ المشقة. ومن ذلك أن يقطع عنه حُسْنُ التولي لشأْنه ويوكَلَ إلى حَوْلِهِ ونَفْسِه، ومن ذلك أن يُمْتَحَنَ بالحِرْصِ في الطلب ثم يحال بينه وبين مقصوده ومطلوبه. ومن العذاب الشديد الطمع في اسم العذر ثم لا يرتفع ومن ذلك سَلْبُ القناعة. ومنه عَدَمُ الرضا بما يجري. ومن ذلك توهم الحدثان وحسبان شيءٍ من الخَلْق.
ومن ذلك الحاجة إلى الأَخٍسَّةِ من الناس. ومن ذلك ذُلُّ السؤال مع الغفلة عن شهود التقدير. ومن ذلك صحبة الأضداد والابتلاء بمعاشرتهم. ومن ذلك ضعف اليقين وقلة الصبر. ومن ذلك التباس طريق الرُّشد. ومنه حسبان الباطل بصفة الحق. والتباس الحقِّ في صورة الباطل. ومنه أن يطالب بما لا تتسع له ذات يده. ومنه الفقر في الغُرْبة.
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)
فلم يلبث الهدهدُ أن جاء، وعَلِمَ أن سليمانَ قد تَهدَّدَه، فقال: أَحَطْتُ علماً بما هو عليك خافٍ، {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} .
ثم ذكر حديث بلقيس، وأنها ملكتهم، وأن لها من المالِ والمُلْكِ والسرير العظيم ما عَدَّه، فلم يتغير سليمانُ - عليه السلام - لذلك، ولم يستفزّه الطمع فيما سَمِعَ عن هذا كما يحدث من عادة الملوك في الطمع في مُلِكِ غيرهم، فلما قال: