قوله: {أَلاَّ يَسْجُدُواْ} : قرأ الكسائيُّ بتخفيف"ألا"، والباقون بتشديدها . فأمَّا قراءةُ الكسائيِّ ف"ألا"فيها تنبيهٌ واستفتحاحٌ ، و"يا"بعدها حرفُ نداءٍ أو تنبيهٍ أيضاً على ما سيأتي و"اسْجُدوا"فعلُ أمرٍ . وكان حَقٌّ الخَطِّ على هذه القراءةِ أن يكونَ"يا اسْجُدوا"، لكنَّ الصحابةَ أسقطُوا ألفَ"يا"وهمزةَ الوصلِ من"اسْجُدوا"خَطَّاً لَمَّا سَقَطا لفظاً ، ووَصَلُوا الياءَ بسين"اسْجُدوا"، فصارَتْ صورتُه"يَسْجُدوا"كما ترى ، فاتَّحدت القراءتان لفظاً وخَطَّاً واختلفتا تقديراً .
واختلف النحويون في"يا"هذه: هل هي حرفُ تنبيهٍ أو للنداءِ ، والمنادى محذوفٌ تقديرُه: يا هؤلاءِ اسْجُدوا؟ وقد تقدَّم ذلك عند قولِه: {ياليتني} [الآية: 73] في سورة النساء . والمرجَّحُ أَنْ تكونَ للتنبيهِ ؛ لئلا يُؤَدِّيَ إلى حَذْفٍ كثيرٍ مِنْ غيرِ بقاءِ ما يَدُلُّ على المحذوفِ . ألا ترى أنَّ جملةَ النداءِ حُذِفَتْ ، فلو ادَّعَيْتَ حَذْفَ المنادى كَثُرَ الحذفُ ولم يَبْقَ معمولٌ يَدُلُّ على عامِلِهِ ، بخلافِ ما إذا جَعلتَها للتنبيهِ . ولكنْ عارَضَنَا هنا أنَّ قبلَها حرفَ تنبيهٍ آخرَ وهو"ألا". وقد اعْتُذِرَ عن ذلك: بأنه جُمِع بينهما تأكيداً . وإذا كانوا قد جَمَعُوا بين حرفين عامِلَيْنِ للتأكيدِ كقوله:
3559 فَأَصْبَحْنَ لا يَسْألْنَنِي عَنْ بما به ... ... ... ... ...
فغيرُ العامِلَيْن أولى . وأيضاً فقد جَمَعُوا بين حَرْفَيْنِ عامِلَيْنِ مُتَّحِدَّيْ اللفظِ والمعنى ، كقوله:
3560 فلا واللهِ لا يلفى لِما بي ... ولا لِلِما بهم أبداً دَواءُ
فهذا أَوْلَى . وقد كَثُرَ مباشرةُ"يا"لفعلِ الأمرِ وقبلَها"ألا"التي للاستفتاح كقوله:
3561 ألا يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلمي ثُمَّتَ اسْلَمي ... ثلاثَ تحيَّاتٍ وإنْ لَمْ تَكَلَّمي
وقوله: