وكأن سليمان قد نسى هذا الموقف الذي كان فيه مع جماعة النمل منذ قليل ، وزايلته تلك المشاعر التي وقعت في نفسه هناك .. وها هو ذا يلبس سلطان الجلال ، ويمسك بصولجان الملك ، ويضرب بسيفه! « وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ » .
الهدهد .. هذا الطائر الوديع المسكين .. يتخلّف عن هذا الحشد ، ولا يحضر هذا الحفل ، فيتوعّده ، صاحب السلطان بأشدّ العذاب والنقمة! « لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً .. أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ .. أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ » !! أما للهدهد عذر يمكن أن يقوم لتخلفه هذا ، ويدفع عنه هذا العذاب؟
ألا يجوز أن يكون مريضا؟ ألا يصح أن يكون قد وقع في شباك صائد؟ ألا يعرض للهدهد ما يعرض للناس من أمور تعطل إرادتهم ، أو تدفع بهم إلى غير
ما يريدون؟ ألا سأل سليمان عن الهدهد أولا ، وطلب إلى بعض جنده أن يأتوه بالخبر اليقين عنه؟ ألا اطمأن إلى سلامته قبل أن يسأل عن تأخره عن أخذ مكانه في هذا الحشد؟ وماذا يغنى الهدهد في هذا الجمع العظيم؟ وماذا يجدى أو يضير إذا هو حضر أو تخلف ، وبين يدي سليمان من الحشود والقوى مالا حصر له؟.
إنه سلطة السلطان ، وناموس الملك .. الطاعة والولاء ، لحساب الطاعة والولاء ، ولسلطان الهيبة والجلال ..!