أما الأول: فاعلم! ان لمآلها ارتباطات متفاوتة مع الآيات السابقة، وخطوطا ممتدة بالاختلاف إلى الجمل السالفة. ألا ترى ان القرآن الكريم لما أثنى فِي رأس السورة على نفسه وعلى المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح كيف أشار بهذه الآية إلى نتيجة الإيمان وثمرة العمل الصالح .. وكذا لما ذم الكفار وشنع على المنافقين وبين طريقهم المنجر إلى الشقاوة الأبدية لوّح بهذه الآية إلى نور السعادة الأبدية، فأراهم ليزيدوا حسرة على حسرة بفوات هذه النعمة العظمى .. ثم لما كلف بـ (يا أيها الناس اعبدوا) - مع ان فِي التكليف مشقة وكلفة وترك اللذائذ العاجلة - فتح لهم أبواب الآجلة؛ فاراهم بهذه الآية تطمينا لنفوسهم وتأمينا لهم .. ثم لما اثبت التوحيد - الذي هو أول اركان الإيمان الذي هو أساس التكليف - صرح فِي هذه الآية بثمرة التوحيد وعنوان الرحمة وديباجة الرضاء بإراءة الجنة والسعادة الأبدية .. ثم لما أثبت النبوّة - ثانية أركان الإيمان - بالاعجاز بقوله (وان كنتم فِي ريب) .. الخ، أشار بهذه مع المطوي قبلها إلى وظيفة النبوّة ومكلفية النبيّ وهي: الإِنذار والتبشير بلسان القرآن .. ثم لما اوعد وأرهب وانذر فِي سابقتها القريبة وعد ورغب وبشّر بهذه الآية بسر ان التضاد مناسبة .. وأيضاً ان الذي يُطيع 1 النفسَ، ويديم الاطاعة ويصيّر الوجدان مطيعا لحكم العقل؛ تهييجُ حسّ الخوف وحسّ الشوق معا بجمع الترغيب والترهيب؛ إذ حكم العقل وأمره موقّت فلابد من وجود محرك آمر دائميّ فِي الوجدان .. وكذا لما أشار بالسابقة إلى أحد شقي الآخرة كمل بهذه الآية الشق الآخر وهو منبع السعادة الأبدية .. وكذا لما لوح هناك بالنار إلى جهنم صرح هنا بالجنة.
1 يطيع يطوع أي يجعلها مطيعة - المؤلف.