وأما منافع ميلها فِي حركتها عن خط الاستواء ، فنقول: لو لم يكن للكواكب حركة فِي الميل لكان التأثير مخصوصاً ببقعة واحدة فكان سائر الجوانب يخلو عن المنافع الحاصلة منه وكان الذي يقرب منه متشابه الأحوال ، وكانت القوة هناك لكيفية واحدة ، فإن كانت حارة أفنت الرطوبات وأحالتها كلها إلى النارية ولم تتكون المتولدات فيكون الموضع المحاذي لممر الكواكب على كيفية ، وخط ما لا يحاذيه على كيفية أخرى وخط متوسط بينهما على كيفية متوسطة فيكون فِي موضع شتاء دائم يكون فيه الهواء والعجاجة وفي موضع آخر صيف دائم يوجب الاحتراق ، وفي موضع آخر ربيع أو خريف لا يتم فيه النضج ولو لم يكن عودات متتالية ؛ وكانت الكواكب تتحرك بطيئاً لكان الميل قليل المنفعة وكان التأثير شديد الأفراط ، وكان يعرض قريباً مما لم يكن ميل ، ولو كانت الكواكب أسرع حركة من هذه لما كملت المنافع وما تمت ، فأما إذا كان هناك ميل يحفظ الحركة فِي جهة مدة ، ثم تنتقل إلى جهة أخرى بمقدار الحاجة وتبقى فِي كل جهة برهة من الدهر تم بذلك تأثيره وكثرت منفعته ، فسبحان الخالق المدبر بالحكمة البالغة والقدرة الغير المتناهية.
هذا أما القمر ، وهو المسمى بآية الليل: فاعلم أنه سبحانه وتعالى جعل طلوعه وغيبته مصلحة ، وجعل طلوعه فِي وقت مصلحة ، وغروبه فِي وقت آخر مصلحة ، أما غروبه ففيه نفع لمن هرب من عدوه فيستره الليل يخفيه فلا يلحقه طالب فينجو ، ولولا الظلام لأدركه العدو ، وهو المراد من قول المتنبي:
وكم لظلام الليل عندي من يد.. تخبر أن المانوية تكذب
وأما طلوعه ففيه نفع لمن ضل عنه شيء أخفاه الظلام وأظهره القمر.
ومن الحكايات: أن أعرابياً نام عن جمله ليلاً ففقده ، فلما طلع القمر وجده فنظر إلى القمر وقال: إن الله صورك ونورك ، وعلى البروج دورك ، فإذا شاء نورك ، وإذا شاء كورك ، فلا أعلم مزيداً أسأله لك ، ولئن أهديت إليّ سروراً لقد أهدى الله إليك نوراً ، ثم أنشأ يقول: