وسمى القرآن الشركاء المزعومين أندادا تهكما بالعابدين لها، ولأن المشركين لما تركوا عبادة الله إلى عبادة الأوثان، وسموها آلهة شابهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة، قادرة على مخالفته ومضادته، وذلك معنى جعلها أندادا الذي هو مصب النهي في الآية.
وجملة (وأنتم تعلمون) ، حالية، ومفعول تعلمون متروك، لأن الفعل لم يقصد تعليقه بمفعول، بل قصد إثباته لفاعله فقط فنزل منزلة اللازم، وفي هذه الجملة مبالغة في زجرهم عن عبادة الأوثان من دون الله، لأن ارتكاب الباطل من الجاهل قبيح، وهو من العالم ببطلانه أشد قبحا، وأدعى إلى أن يقابل بأغلظ ألوان الإنكار. كما أن فيها إثارة لهممهم ليقلعوا عن عبادة غير الله، فإن من كان من ذوى العلم لا يصح منه أن يفعل أفعال من لا عقل له، وهذا لون جليل من ألوان التربية، فإن من سمات المربى الناجح أن يجمع بين القسوة في النهي عن القبيح، وبين إثارة همة الموعوظ حتى لا يقتل همته باليأس، لأن الإنسان إذا ساءت ظنونه بنفسه خارت عزيمته، وفترت همته.
هذا، وقد استفاضت الأحاديث النبوية التي تدعو إلى توحيد الله، وتنهى عن الإشراك، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟ (قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك) .
قال الإمام ابن كثير: وهذه الآية دالة على توحيده - تعالى - بالعبادة وحده لا شريك له، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب وقد سئل:
ما الدليل على وجود الله - تعالى - ؟ فقال: يا سبحان الله!! إن البعر ليدل على البعير وإن أثر القدم يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل هذا على وجود اللطيف الخبير).
وبعد أن ساق - سبحانه - في هاتين الآيتين البراهين الساطعة الدالة على وحدانية الله ونفى عقيدة الشرك، أورد بعد ذلك الدلائل الدالة على صدق النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن ليس من صنع بشر، وإنما هو كلام واهب القوى والقدر فقال - تعالى -: