والمعنى: أي ائتوا أنتم بمثل ما أتى هو، إن كان الأمر كما زعمتم من كونه كلام البشر، إذ أنتم وهو سواء في الجوهر، والخلقة، واللسان، وليس هو أولى بالاختلاق منكم. ثمّ القرآن وإن كان لا مثل له؛ لأنّه صفة الله وكلامه ووحيه، ولا مثل لصفاته، كما لا مثل لذاته، لكن معناه من مثله على زعمكم، فقد كانوا يقولون: لو شئنا لقلنا مثل هذا، كما في «التيسير» .
ويحتمل عود الضمير على {عَبْدِنا} ، والمعنى حينئذ: فهاتوا بسورة واحدة واقعة من بشر مماثل لعبدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم في كونه عربيّا فصيحا. وحدّ السورة: هي قطعة من القرآن معلومة الأول والآخر، مترجم عنها باسم خاصّ، أقلّها ثلاث آيات. وإنّما سميت سورة؛ لكونها أقوى من الآية من سورة الأسد والشراب؛ أي: قوته. والآية قطعة من السورة مميزا بفصل يسمّى الفاصلة، هذا إن كان واوها أصلية، وإن كانت منقلبة عن همزة، فهي مأخوذة من السؤر الذي هو البقية من الشيء ، فالسورة قطعة من القرآن مفرزة باقية من غيرها.
قال القاضي زكريا: إن قلت: لم ذكرت {مِنْ} هنا، وحذفت في سورتي: يونس وهود؟
قلت: لأنّ {مِنْ} هنا للتبعيض، أو للتبيين، أو زائدة على قول الأخفش:
بتقدير رجوع الضمير في {مِثْلِهِ} إلى ما في قوله: {مِمَّا نَزَّلْنا} ، وهو الأوجه، والمعنى على الأخير: فأتوا بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة وحسن النظم، وعلى الأولين: فأتوا بسورة مما هو على صفته في البلاغة وحسن النظم، وحينئذ فكأنّه منه، فحسن الإتيان بـ (مِن) الدالة على ما ذكر، بخلاف ذاك، فإنّه قد وصف السور بالافتراء صريحا في هود، وإشارة في يونس، فلم يحسن الإتيان بمن الدالة على ما ذكر؛ لأنّها حينئذ تشعر بأنّ ما بعدها من جنس ما قبلها، فيلزم أن يكون قرآنا، وهو محال. ويجوز جعل {مِنْ} للابتداء بتقدير رجوع الضمير في {مِثْلِهِ} إلى {عَبْدِنا} ؛ أي: محمد، والمعنى: فأتوا بسورة مبتدأة من شخص مثل محمد، ذكره في «فتح الرحمن» .