إلى الإنبات والحياة الظاهرة؛ كذلك الحيوان في الجنة، كما له أن يكون طعمًا
للولي فيخلق الله تعالى منه أجزاء الولي فيكونه، فيصير بعد رشحًا وعرقًا وجشاء
أطيب رائحة من المسك، فيعود عند ذلك طيبًا له أيضًا ونعيمًا، فليس إذًا على هذا
مأكولات الجنة يطرقها الموت، وإن قطف ما هو منها تقطف أو شوي أو طبخ ما
هو منها يشوى أو يطبخ وأكل، وطعِمَ من غير موت ولا عدم، يحضر ذلك كله
بخلف الخالف، ما نيل منها بغير زمان يحصل، ثُمَّ يحيا بعد قضاء الوطر كالبذر
يكون عن النبات عن البذر.
وكحال الشهيد والمؤمن في البرزخ لا موت في ذلك من حيث يوصف
بالحياة، هذا واعلم أن الدليل لا يقوم مقام المدلول عليه، ولا ما هو آية على
المطلوب ليس مبلغ قوة وجود ما جعل آية عليه، فافهم(وَالله يَقول الحَق وَهُوَ
يهْدي السَّبِيلَ).
قوله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا)
يصلح أن تكون"ما"هَاهُنَا للاستفهام، ولكون ما بعدها مرفوعًا، وقد
قرئ كذلك، ويصلح أن تكون اسمًا لما دون بعوضة في الصغر والدقة، ويصلح أن
تكون للإبهام، وجاء الإبهام هنا لأجل الكونين الجنة والنار.
يقول عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا) لموجودات الجنة أو
جهنم بموجودة (مَا) عندكم (بَعُوضَةً) المعنى، وأما"ما"الثانية اسم
لما فوقها في الكبر والعظم، ولما كان هذا الخطاب المتقدم قبل هذا يقتضي تدقيق
النظر في إعدام الذوات والهيئات وإيجاد أمثالها وأغيارها في العالم، وأبعاضه على
التفصيل وتفصيل التفصيل صلح أن يكون قوله:(إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ
مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا...)مجاوزًا له.
ولما كان هو خالق البعوض والعكنبوت والفراش والخشاش كله، كما هو - جلَّ جلالُه -
خلق السَّمَاوات والأرض والدنيا والآخرة وما بين ذلك كان الحق، فالحق المبين
-جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه لا يستحيي أن يضرب مثلا لشرار خلقه، كما يضرب - جلَّ جلالُه -