الحسن حيث قال فيقول الملك كُلْ الخ. كالصريح في أن هذا الْقَوْل قيل الأكل. والحاصل
أن معنى (كلما رزقوا) كلما أعطوا وخصصوا؛ إذ الرزق في العرف تَخْصيص
الشيء بالحيوان للانتفاع به وتمكينه منه، كما قاله المصنف في قَوْله تَعَالَى:(ومما رزقناهم
ينفقون)ومعنى رزقنا من قبل أنعمنا وأكلنا. فيتأمل فيه.
قوله: (والأول أظهر لمحافظته عَلَى عموم كلما) أي كون الْمَعْنَى (من قبل)
هذا في الدُّنْيَا أظهر من الثاني وهو كون معنى (من قبل) من قبل هذا في الجنة لمحافظته عَلَى
عموم كلما بخلاف الثاني؛ إذ لا يستقيم عليه هذا الْقَوْل في الثمرة المرزوقة في المرة الأولى في
الجنة، وإنَّمَا قال أظهر لأن للثاني وجهًا ظاهرًا حتى قيل إنه يتجه عَلَى الأول أنه يلزم منه انحصار
ثمار الجنة في الأنواع الموجودة في الدُّنْيَا والأليق أن يوجد فيه ذلك مع غيره من الأنواع التي لا
عين رأت ولا أذن سمعت، كما أشار إليه بقَوْلُه تَعَالَى:(فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفيَ لَهُمْ منْ قُرَّة
أَعْيُنٍ)الآية. وكما ورد في[قَوْلُه تَعَالَى:(فيهما من كل فاكهة
زوجان)] [1] قال المصنف صنفان غريب ومعروف انتهى. فظاهره أنه اعترف بأن في
الجنة ثمرا ليس في الدُّنْيَا، فَكَيْفَ يحسن بل يصح أن يقال إن الْمُرَاد (من قبل) هذا في الدُّنْيَا
وعن هذا قال السيوطي الثاني عندي أرجح لأن فيه توفية بمعنى حديث تشابه ثمار الجنة لقوله
بعده (مُتَشَابِهًا) فإنه في رزق الجنة أظهر وإعادته إلَى المرزوق في الدُّنْيَا بعيد عن
الإنصاف. قوله لمحافظته عَلَى عموم كلما جوابه أن معناه كلما رزقوا منها من ثمرة رزقًا بعد
المرة الأولى الخ. كما قيد المصنف قَوْلُه تَعَالَى: ( [وَأُوتيَتْ] منْ كُلّ شَيْءٍ) بقوله يحتاج إليه الملوك
وقيد أَيْضًا قَوْلُه تَعَالَى: (وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ منْ كُلّ مَكَانٍ) الآية. من سورة يونس
بقوله يجيء الموت منه. ونظائره كثيرة. وقد قيل ما من عام إلا وقد خص البعض منه، وقد أشار
إليه المصنف بقوله والأول أظهر. وما ذكرنا هنا وما سبق قرينة قوية عَلَى هذا التَّخْصِيص.
قوله: (فإنه يدل عَلَى ترديدهم هذا الْقَوْل كل مرة رزقوا) أي دلالة ظنية إقناعية لا
قطعية لما ذكر.
قوله: (والداعي لهم إلَى ذلك) أي المفصي لتكرارهم هذا الْقَوْل.
قوله: (فرط استغرابهم وتبجحهم) أي عدهم غريبًا عجيبًا فالسين ليس للطلب فإن
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: والأول أظهر أي والوجه الأول وهو أن يكون الْمُرَاد من قولهم من قبل في الدُّنْيَا أظهر
لكونه أحفظ. الْمَعْنَى العموم المُسْتَفَاد من كلمة كلما فإنه ينحفظ عمومها عَلَى الوجه الثاني وهو أن يكون
الْمُرَاد منه في الجنة لانحصار قولهم هذا [حِينَئِذٍ] في المرة الثانية وما فوقها فإن المرة الأولى عَلَى هذا التقدير
خالية عن قولهم ذاك فلا يصح حِينَئِذٍ أن يقال كل حين رزقوا منها مرزوقًا قَالُوا هذا لأن الْقَوْل بخلاف
الوجه الأول فإنهم عَلَى هذا يقولون ذلك الْقَوْل في المرة الأولى أَيْضًا كما يقولونه بعد الأولى.
قوله: والداعي لهم إلَى ذلك أي إلَى قَوْلهم في كل مرة من مرات هنا بتناولهم هذا الذي
رزقنا من قبل. فرط استغرابهم. أي فرط وجدانهم ذلك غريبا عجيبا وتبجحهم. أي ابتهاجهم بما
وجدوا من التفاوت العظيم في الرزقين.
[1] في الْكتَاب المطبوع العبارة هكذا[كما ورد في الْحَديث القدسي قال تَعَالَى:(فيهما من كل فاكهة
زوجان)] . ومن ثم وجب التعديل فهذه آية قرآنية وليست حديثا قدسيا. اهـ (مصحح نسخة الشاملة) .