وهذا أبلغ من أخويه فيستحق التقديم لكن اختار طريق الترقي فذكر أولا تقدير الْمُضَاف ثم
ترقى وذكر كون الأنهار مَجَازًا مرسلا وهو أبلغ من ذلك ثم ترقى فجوز كون الإسناد مَجَازًا
عقليًا وهذا أبلغ من ذلك فإن فيه المُبَالَغَة في شدة الجريان كان شدة جريان الماء بلغت
مبلغًا تامًا بحَيْثُ سرى إلَى المجازي أنفسها فجرت.
قوله: (صفة ثانية لجنات أو خبر مبتدأ مَحْذُوف) أي صفة مادحة لها كالصّفَة الأولى
وهي تجري فيكون منصوب المحل واخْتيرَ الفصل مع تحقق جواز العطف تنبيهًا عَلَى
استقلالها بحيالها أنهار صفة مدح غير تابعة لصفة أخرى قدمه لسلامته عن الحذف أو خبر
مبتدأ مَحْذُوف أي الَّذينَ كلما رزقوا أو هي كلما رزقوا، والأول أرجح والقرينة عَلَى تعيين
الْمَحْذُوف الذكر فيما قبله وسبب الترجيح كون الْكَلَام مسوقًا لتبشير الْمُؤْمنينَ والْجُمْلَة
الْمَحْذُوفة المبتدأ مُسْتَأْنَفَة أو من باب قطع النعت بالرفع فيكون حذف المبتدأ واجبا والْقَوْل
بأن جواز القطع مشروط بأن يعلم السامع اتصاف المنعوت بذلك النعت كما يعلم المتكلم
لأنه لو لم يعلم فالمنعوت محتاج إلَى ذلك النعت ليميزه، ولا قطع مع الحاجة مدفوع بأنه لو
سلم ذلك الشرط فعدم علم السامع غير مسلم لا سيما النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ولو سلم فتمكن
العلم كافٍ في مثل هذا المقام، وفَائدَة حذف المبتدأ الإيجاز مع تحقق التناسب بين الجمل
الثلاث في الصورة لكونها اسمية. والْمَعْنَى لكونه جوابًا لسؤال كأنه قيل ما حالهم في تلك
الجنان؟ فأجيب بأن لهم فيها ثمارًا لذيذة عجيبة وأزواجًا نظيفة، وهُمْ فيها خالدُونَ كذا قيل.
لكن هذا إنما يتم إذا كان اسْتئْنَافًا متعينًا وليس كَذَلكَ بل هُوَ مرجوح بالنسبة فلا يتحقق
التناسب بينها ووجهه أن كونهم مرزوقين بالثمار اللذيذة متجدد فاخْتيرَ صيغة التجدد بخلاف
الأخيرين فإنهما ثابتان دائمان فاخْتيرَ الصيغة الدَّالَّة عَلَى الدوام والثبات وتقدير هُوَ أو هي
بأن يكون ضمير الشأن أو القصة ضعيف؛ لأنه لا يجوز حذف هذا الضَّمير، وأَيْضًا إذا لم
يدخل النواسخ لا بد أن يكون مفسرة بجملة اسمية من عَلَى جميع ذلك في الرضي
وأما الْقَوْل بأن المقدر ضمير الشأن أو القصة لا ضمير الَّذينَ ولا الجنات لأن كلما
ظرف زمان لنصبه عَلَى الظرفية فلا يصح أن يكون خبرًا عن جثة مدفوع بأن الخبر جملة
قَالُوا فهي جملة خبرية أو الخبر في الْحَقيقَة هُوَ الأمر المأخوذ من تلك الْجُمْلَة ففي
قولك زيد قام أبوه هُوَ القائم نقله قدس سره عن بعض شراح التسهيل، وأَيْضًا التأويل
الْمَذْكُور شائع في كلامهم لأن الْجُمْلَة الخبرية في تأويل المفرد والتأويل هنا هم قائلون
(هذا الذي رزقنا) من قبل في كل حين رزقوا شَيْئًا ومنشأ الإشكال توهم
كون كلما رزقوا خبرًا وحده، ولم أرَ أحدًا أنه ذهب إليه.
قوله: (أو جملة مُسْتَأْنَفَة) فلا يكون لها محل من الإعراب فظهر أن المقصود بيان وجه