قوله (لما فيه من الأشجار المتكاثفة المظللة) بيان وجه التَّسْميَة من إطلاق اسم
الحال عَلَى المحل والبستان كما يطلق عَلَى الْأَرْض التي فيها الأشجار يطلق عَلَى
الأشجار وحدها وورد في شعر الأعشى بمعنى النخل خاصة كما ذكره الجوالقي. كذا قيل
وأصله بالفارسية بوي ستان وبوي الرائحة الطيبة وستان بمعنى المكان والناحية فخفف
بحذف الياء والواو وخص بالأشجار التي تعطر برود النسيم بطيب الأزهار ثم عرب ونقل
بهذا الْمَعْنَى ثم توسعوا فيه وأطلقوا عَلَى الأشجار نفسها ومن هذا البيان علم أن مراد المص
من عدول قول الزَّمَخْشَريّ الجنة البستان من النخل والشجر الخ. ليس الرد عَلَى الزَّمَخْشَريّ
بل تنقيح مرامه بأوضح العبارة .. نعم ظَاهر عبارته يوهم الاقتصار عَلَى أحد معنييه وعن هذا
ذهب بعضهم أن قول المصنف سمى الشجر المظلل الخ. رد عَلَى العلامة حيث قال والجنة
فإن المفهوم منه أن تكون الجنة موضوعة للبستان ابتداء قوله المتكاثفة أي المتلاصقة
الملتفة لكثرتها والظَّاهر أن المتكاثفة مسْتعَارَة من الكثافة المقابلة للطاقة والرقة.
قوله: (ثم دار الثواب) أي دار النعيم ومقام كريم لا الدار الْآخرَة والتَّعْبير بدار الثواب
أي دار الْجَزَاء للإشَارَة إلَى كونها في مقابلة الإيمان والْأَعْمَال الصالحات بمقتضى وعده
تَعَالَى وإن كان تفضلًا ورحمة منه تَعَالَى في حد ذاته.
قوله: (لما فيها من الجنان) بيان وجه التَّسْميَة والمناسبة بين المنقول والمنقول عنه
الْمُرَاد من الجنان جمع جنة بمعنى البستان الذي هُوَ الْأَرْض مع الأشجار بشهادة سوق
الْكَلَام حيث قال سمي به الشجر المظلل ثم البستان ثم دار الثواب فحِينَئِذٍ الظرفية من قبيل
ظرفية الكل للجزء وإن أريد بها الأشجار فقط بناء عَلَى أن البستان يطلق عليها أَيْضًا كما
عرفته فيكون ظرفية المحل للحال.
قوله: (وقيل: سميت بذلك لأنه ستر في الدُّنْيَا ما أعد فيها للبشر من أفنان النعم كما
قال سبحانه وتَعَالَى: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفيَ لَهُمْ منْ قُرَّة أَعْيُنٍ) لا لما
فيها من الجنان المشتملة عَلَى الأشجار المسترة ما تحتها بل لتستر ما فيها من النعم التي لا
عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر عَلَى قلب بشر. مما هُوَ مستور عنا وإن كان موجودًا
الآن فحِينَئِذٍ يكون التَّسْميَة بالجنان من قبيل تسمية الشيء بأحوال ما يقع فيها وهو خلاف
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: لما فيها من الجنان. تعليل لتسمية دار الثواب بالجنة مع أن فيها أنواعًا من النعم سوى
الأشجار المتكاثفة يعني سميت بها لكثرة جنانها كما أن دار العقاب سميت نارًا مع أن فيها أنواعًا
من العذاب لكونها أعظم أنواع العقاب. وقيل معناه سميت دار الثواب بالجنة التي في مصدر جنة
لجنانها المتلاصقة المتدالة من غير فرج، فصيرت كأنها سترة واحدة.