في سورة قد أفلح المؤمنون بعد ذكر مراتب الخلقة: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 15 ، 16] وقال فِي سورة لا أقسم: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مَّنِيّ يمنى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى} [القيامة: 37 ، 38] وقال فِي سورة الطارق: {فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ يَخْرُجُ} [الطارق 5 - 7] إلى قوله: {إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} [الطارق: 8] .
وثانيها: قوله: {أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أأنتم تَزْرَعُونَهُ} [الواقعة: 63 - 64] إلى قوله: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} [الواقعة: 67] وجه الاستدلال به أن الحب وأقسامه من مطول مشقوق وغير مشقوق ، كالأرز والشعير ، ومدور ومثلث ومربع ، وغير ذلك على اختلاف أشكاله إذا وقع فِي الأرض الندية واستولى عليه الماء والتراب ، فالنظر العقلي يقتضي أن يتعفن ويفسد ، لأن أحدهما يكفي فِي حصول العفونة ، ففيهما جميعاً أولى ، ثم إنه لا يفسد بل يبقى محفوظاً ، ثم إذا ازدادت الرطوبة تنفلق الحبة فلقتين فيخرج منها ورقتان ، وأما المطول فيظهر فِي رأسه ثقب وتظهر الورقة الطويلة كما فِي الزرع ، وأما النوى فما فيه من الصلابة العظيمة التي بسببها يعجز عن فلقه أكثر الناس إذا وقع فِي الأرض الندية ينفلق بإذن الله ، ونواة التمر تنفلق من نقرة على ظهرها ويصير مجموع النواة من نصفين يخرج من أحد النصفين الجزء الصاعد ، ومن الثاني الجزء الهابط ، أما الصاعد فيصعد ، وأما الهابط فيغوص فِي أعماق الأرض ، والحاصل أنه يخرج من النواة الصغيرة شجرتان: إحداهما: خفيف صاعد ، والأخرى ثقيل هابط مع اتحاد العنصر واتحاد طبع النواة والماء والهواء والتربة أفلا يدل ذلك على قدرة كاملة وحكمة شاملة فهذا القادر كيف يعجز عن جمع الأجزاء وتركيب الأعضاء.