واعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها ، وكالملاحة فمدرك الإعجاز هو الذوق . ومن فسر الإعجاز بأنه صرف الله تعالى البشر عن معارضته ، أو بأنه هو كون أسلوبه مخالفاً لأساليب الكلام ، أو بأنه هو كونه مبرأ عن التناقض ، أو بكونه مشتملاً على الأخبار بالغيوب وبما ينخرط فِي سلك هذه الآراء ، فقد كذب ابن أخت خالته . فإنا نقطع أن الاستغراب من سماع القرآن إنما هو من أسلوبه ، ونظمه المؤثر فِي القلوب تأثيراً لا يمكن إنكاره لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، لا من صرف الله تعالى البشر عن الإتيان بمثله ، كما لو قال أحد: معجزتي أن أضع الساعة يدي على رأسي ويتعذر ذلك عليكم . وكان كما قال ، جاء الاستغراب من التعذر لا من نفس الفعل . وأيضاً تسمية كل أسلوب غريب معجزاً باطل ، وكذا تسمية كل كلام مبرإ عن التناقض أو مشتملاً على الغيب ككلام الكهان ونحوهم . فإن قيل: كيف نعتقد إعجاز القرآن بحيث يعجز عنه الثقلان فقط والزائد غير معلوم الحال ، أو بحيث يعجز عنه المخلوقات بأسرها؟ قلنا: لا ريب أن الحق هو القسم الثاني ، إلا أن التحدي لم يقع إلا بالقدر الأول وبه يثبت صحة النبوة .