ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور ، والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق ، أمر تعجز عنه قوى البشر ، ولا تبلغه قدرتهم ، فانقطع الخلق دونه ، وعجزوا عن معارضته بمثله ، ومناقضيه فِي شكله ، ثم صار المعاندون له يقولون مرة: إنه شعر لما رأوه منظوماً ، ومرة إنه سحر لما رأوه معجوزاً عنه ، غير مقدور عليه. وقد كانوا يجدون له وقعاً فِي القلب وقرعاً فِي النفس ، يريبهم ويحيرهم ، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعاً من الاعتراف ، ولذلك قالوا: إن له الحلاوة ، وإن عليه لطلاوة. وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم يقولون: (أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً) (الفرقان: 5) . مع علمهم أن صاحبهم أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب شيئاً ، ونحو ذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجهل والعجز. وقد حكى الله عن بعض مردتهم - وهو الوليد بن المغيرة المخزومي - أنه لما طال فكره فِي القرآن وكثر ضجره منه ، وضرب له الأخماس من رأيه فِي الأسداس ، فلم يقدر على أكثر من قوله: (إن هذا إلا قول البشر) (المدثر: 24) عناداً وجهلاً به ، وذهاباً عن الحجة ، وانقطاعاً دونها.
قال الخطابي: وقلت فِي إعجاز القرآن وجه آخر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ فِي آحادهم وهو صنيعه بالقلوب ، وتأثيره فِي النفوس ، فإنك لا تسمع كلاماً غير القرآن منظوماً ولا منثوراً إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة فِي حال ، ومن الروعة والمهابة فِي حال أخرى ما يخلص منه إليه.
قال الله تعالى: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله) (الحشر: 21) .
وقال تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم) (الزمر: 23) .