وغاية ما أخذوه عليه: أنه سافر إلى الشام للتجارة فتعلم هذه القصص ممن هناك من الرهبان ولم تكن أسفاره إلى الشام إلا مع عمه أبي طالب قبل بلوغه وإلا مع ميسرة مولى خديجة وسنه يومئذ خمسة وعشرون وهو مع من يلازمه فِي ليله ونهاره ، ولو فرض محالاً ذلك فما هذه المعارف والعلوم ؟ ومن أين هذه الحكم والحقائق ؟ وممن هذه البلاغة فِي البيان الذي خضعت له الرقاب وكلت دونه الألسن الفصاح ؟
وما أخذوه عليه أنه كان يقف على قين بمكة من أهل الروم كان يعمل السيوف ويبيعهم فأنزل الله سبحانه (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) (النحل: 103) .
وما قالوا عليه أنه يتعلم بعض ما يتعلم من سلمان الفارسي وهو من علماء الفرس عالم بالمذهب والأديان مع أن سلمان إنما آمن به فِي المدينة ، وقد نزل أكثر القرآن بمكة وفيها من جميع المعارف الكلية والقصص ما نزلت منها بمدينة بل أزيد ، فما الذي زاده إيمان سلمان وصحابته ؟
على أن من قرأ العهدين وتأمل ما فيهما ثم رجع إلى ما قصه القرآن من تواريخ الأنبياء السالفين وأممهم رأى أن التاريخ غير التاريخ والقصة ، فقيهما عثرات وخطايا لأنبياء الله الصالحين تن والفطرة وتتنفر من أن تنسبها إلى المتعارف من صلحاء الناس وعقلائهم ، والقرآن يبرئهم منها ، وفيها أمور أخرى لا يتعلق بها معرفة حقيقية ولا فضيلة خلقية ولم يذكر القرآن منها إلا ما ينفع الناس فِي معارفهم وأخلاقهم وترك الباقي وهو الأكثر. اهـ