وهل يجترئ عاقل على أن يأتي بكتاب يدعيه هدى للعالمين ثم يودعه أخباراً فِي الغيب مما مضى ويستقبل وفيمن خلت من الأمم وفيمن سيقدم منهم لا بالواحد والاثنين فِي أبواب مختلفة من القصص والملاحم والمغيبات المستقبلة ثم لا يختلف شيء منها عن صراط الصدق
وهل يتمكن إنسان وهو أحد أجزاء نشأة الطبيعة المادية ، والدار التحول والتكامل ، أن يداخل فِي كل شأن من شئون العالم الإنساني ويلقى إلى الدنيا معارف وعلوماً وقوانين وحكماً ومواعظ وأمثالاً وقصصاً فِي كل ما دق وجل ثم لا يختلف حاله فِي شيء منها فِي الكمال والنقص وهي متدرجة الوجود متفرقة الإلقاء وفيها ما ظهر ثم تكرر وفيها فروع متفرعة على أصولها ؟ هذا ما نراه أن كل إنسان يبقى من حيث كمال العمل ونقصه على حال واحدة.
فالإنسان اللبيب القادر على تعقل هذه المعاني لا يشك فِي أن هذه المزايا الكلية وغيرها مما يشتمل عليه القرآن الشريف كلها فوق القوة البشرية ووراء الوسائل الطبيعية المادية وإذا لم يقدر على ذلك فلم يضل فِي إنسانيته ولم ينس ما يحكم به وجدانه أنه الفطري أن يراجع فيما لا يحب اختياره ويجهل مأخذه إلى أهل الخبرة به. اهـ
التحدي بمن أنزل عليه القرآن
وقد تحدى بالنبي الأمي الذي جاء بالقرآن المعجز فِي لفظه ومعناه ، ولم يتعلم عند معلم ولم يترب عند مرب بقوله تعالى (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون) (يونس: 16) ، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم وهو أحدهم لا يتسامى فِي فضل ولا ينطق بعلم حتى لم يأت بشيء من شعر أو نثر نحواً من أربعين سنة وهو ثلثا عمره لا يجوز تقدماً ولا يرد عظيمة من عظائم المعالي ثم أتى بما أتى به دفعة فأتى بما عجزت عنه فحولهم وكلت دونه ألسنة بلغائهم ، ثم بثه فِي أقطار الأرض فلم يجترئ على معارضته معارض من عالم أو فاضل أو ذي لب وفطانة.