والمعنى: والله لقد مر هؤلاء المكذبون في رحلة الصيف على سدوم عظمى قرى قوم لوط، وقد أهلكها الله سبحانه بأن أمطر عليها حجارة من سجيل؛ لأن قومها كانوا يعملون الخبائث، وحذرهم لوط، فما أغنت عنهم الآيات والنذر، ثم وبخهم على تركهم التذكر حين مشاهدة ما يوجبه، فقال: {أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} ؛ أي: أفلم يكونوا يرون آثارها وآثار ما حل بأهلها؟ والاستفهام فيه: للتقرير، وهو حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه؛ وهو ما بعد النفي؛ أي: ليقروا بأنهم رأوها حتى يعتبروا بها. اهـ. وفي"أبي السعود": والفاء لعطف مدخولها على مقدر يقتضيه المقام؛ أي: ألم يكونوا ينظرون إليها، فلم يكونوا يرونها، أو أكانوا ينظرون إليها، فلم يكونوا يرونها في مرات مرورهم؛ ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من آثار العذاب، فالمنكر في التقدير الأول: ترك النظر وعدم الرؤية معًا، والمنكر في التقدير الثاني: عدم الرؤية مع تحقق النظر الموجب لها"اهـ."
والمعنى: ألم يكونوا ينظرون إليها، فلم يكونوا يرون ما نزل بتلك القرية من عذاب الله تعالى بتكذيب أهلها رسول ربهم، فيعتبروا ويتذكروا ويراجعوا التوبة من كفرهم وتكذيبهم لرسوله؟ ثم أبان سبحانه أن عدم التذكر لم يكن سببه عدم الرؤية، بل منشؤه إنكار البعث والنشور، فقال: {بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا} ؛ أي: بعثًا. وهذا إما إضراب عما قبله من عدم رؤيتهم لآثار ما جرى على أهل القرى من العقوبة، وإما انتقال من التوبيخ بما ذكر من ترك التذكر إلى التوبيخ بما هو أعظم منه من عدم توقع النشور"اهـ"أبو السعود"؛ أي: بل كانوا كفرة لا يتوقعون نشورًا ولا عاقبة، فلذلك لم ينظروا ولم يتعظوا فمروا كما مرت ركابهم، أو لا يؤملون نشورًا كما يأمله المؤمنون طمعًا في الثواب، أو لا يخافونه على اللغة التهامية. اهـ"بيضاوي". فالرجاء هنا؛ إما بمعنى التوقع، أو الأمل، أو الخوف."