إذن: فَرق القرآن في كل شيء: في الإله ، وفي الرسول ، وفي قِوَام حياة المرسَل إليهم ، وما دام قد فَرقَ في كل هذه المسائل فلا يوجد لفظ أفضل من أن نُسمِّيه"الفرقان".
ولا شكَّ أن الألفاظ التي ينطق بها الحق تبارك وتعالى لها إشعاعات ، وفي طياتها معَانٍ يعلمها أهل النظر والبصيرة ممَّنْ فتح الله عليهم ، وما أشببها بفصوص الماس! والذي جعل الماس ثميناً أن به في كل ذرة من ذراته تكسراتٍ إشعاعية ليست في شيء غيره ، فمن أيِّ ناحية نظرتَ إليه قابلك شعاع معكوس يعطي بريقاً ولمعاناً يتلألأ من كل نواحيه ، وكذلك ألفاظ القرآن الكريم .
ومن معاني الفرقان التي قال بها بعض العلماء أنه نزل مُفَرَّقاً ، كما جاء في قوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ} [الإسراء: 106] يعني: أنزلناه مُفرَّقاً لم ينزل مرة واحدة كالكتب السابقة عليه ، وللحق تبارك وتعالى حكمة في إنزال القرآن مُفرقاً ، حيث يعطي الفرصة لكل نَجْم ينزل من القرآن أنْ يستوعبه الناس ؛ لأنه يرتبط بحادثة معينة ، كذلك ليحدث التدرّج المطلوب في التشريعات .
يقول تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} [الإسراء: 106] .
لقد كان المسلمون الأوائل في فترة نزول القرآن كثيري الأسئلة ، يستفسرون من رسول الله عن مسائل الدين ، كما قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة} [البقرة: 189] {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر} [البقرة: 219] {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال} [الأنفال: 1] فكان النجم من القرآن ينزل ليُجيب عليهم ويُشرَّع لهم ، وما كان يتأتَّى ذلك لو نزل القرآن جملة واحدة .
وكلمة: {نَزَّلَ الفرقان} [الفرقان: 1] تؤيد هذا المعنى وتسانده ؛ لأن نزّل تفيد تكرار الفعل غير"أنزل"التي تفيد تعدِّى الفعل مرة واحدة .