وقوله تعالى: {على عَبْدِهِ} [الفرقان: 1] كأن حيثية التنزيل عليه هي العبودية لله تعالى ، فهو العبد المأمون أن ينزل القرآن عليه .
وسبق أن قلنا: أن العبودية لفظ بغيض إنِ استُعمِل في غير جانب الحق سبحانه ، أمّا العبودية لله فيه عِزٌّ وشرف ولفظ محبوب في عبودية الخَلْق للخالق ؛ لأن العبودية للبشر يأخذ السيد خير عبده ، أمّا العبودية لله فيأخذ العبد خير سيده .
لذلك جعل الله تعالى العبودية له سبحانه حيثية للارتقاء السماوي في رحلة الإسراء ، فقال: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] فالرِّفْعة هنا جاءتْ من العبودية لله .
ثم يقول سبحانه: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان: 1] العالمين: جمع عَالَم ، والعَالَم ما سوى الله تعالى ، ومن العوالم: عالم الملائكة ، عالم الإنس ، وعالم الجن ، وعالم الحيوان ، وعالم النبات ، وعالم الجماد ، إلا أن بعض هذه العوالم لم يَأْتِها بشير ولا نذير ؛ لأنها ليست مُخيَّرة ، والبشارة والنذارة لا تكون إلا للمخيّر .
يقول تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72] .
فإنْ عزلْتَ من هذه العوالم مَنْ ليس له اختيار ، فيتبقى منها: الجنّ والإنس ، وإليهما أُرسل الرسول صلى الله عليه وسلم بشيراً ونذيراً ، لكن لماذا قال هنا {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان: 1] ولم يقل: بشيراً ونذيراً؟
قالوا: لأنه سبحانه سيتكلم هنا عن الذين خاضوا في الألوهية ، وهؤلاء تناسبهم النَّذَارة لا البشارة ؛ لذلك قال في الآية بعدها: {الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض}