وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي التَّأْوِيلُ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي قَبْلَ قَوْلُهُ: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} نَهْي مِنَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَأْتُوا مِنَ الِانْصِرَافِ عَنْهُ فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَجْمَعُ جَمِيعَهُمْ مَا يَكْرَهُهُ، وَالَّذِي بَعْدَهُ وَعِيدٌ لِلْمُنْصَرِفِينَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ عَنْهُ، فَالَّذِي بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ تَحْذِيرًا لَهُمْ سَخَطَهُ أَنْ يَضْطَرَّهُ إِلَى الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ أَشْبَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا لَهُمْ بِمَا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ مِنْ تَعْظِيمِهِ وَتَوْقِيرِهِ بِالْقَوْلِ وَالدُّعَاءِ.
وَقَوْلُهُ: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُنْصَرِفُونَ عَنْ نَبِيِّكُمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، تَسَتُّرًا وَخُفْيَةً مِنْهُ، وَإِنْ خَفِيَ أَمْرُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ , وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ، فَلْيَتَّقِ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمُ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ أَمْرَ اللَّهِ فِي الِانْصِرَافِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ مِنَ اللَّهِ , أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، فَيُطْبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، فَيَكْفُرُوا بِاللَّهِ.
عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ:"كَانُوا يَسْتَتِرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَيَقُومُونَ، فَقَالَ: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ , قَالَ: يَطْبَعُ عَلَى قَلْبِهِ، فَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَظْهَرَ الْكُفْرُ بِلِسَانِهِ فَتُضْرَبَ عُنُقُهُ"
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ بِغَيْرِ إِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ:"اللِّوَاذُ: يَلُوذُ عَنْهُ , وَيَرُوغُ وَيَذْهَبُ بِغَيْرِ إِذْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ""
{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذَا، {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .