قوله عز وجل: {وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات} وذلك أن كفار مكة لما صَدُّوا المسلمين عن مكة عام الحديبية ، فقال المسلمون: لو فتح الله مكة ودخلناها آمنين ، فنزل قوله {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرض} يعني: لينزلنهم في أرض مكة {كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ} يعني: من قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل وغيرهم ، {وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ} يعني: ليظهرن لهم {دِينَهُمُ} الإسلام {الذي ارتضى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} من الكفار {يَعْبُدُونَنِى} يعني: لكي يعبدوني {لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً} ويقال: معناه يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ، أي: يظهر عبادة الله تعالى ، ويبطل الشرك.
وروى الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة زماناً ، نحواً من عشر سنين ، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال ، حتى إذا أمروا بالهجرة إلى المدينة ، فقدموا المدينة ، أمرهم الله تعالى بالقتال ، فكانوا بها خائفين يُمسون في السلاح ، ويصبحون في السلاح ، فقال رجل من أصحابه يا رسول الله نحن أبداً خائفون ، هل يأتي علينا يوم نأمن فيه ، ونضع فيه السلاح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لاَ يَكُونُ إلاّ يَسِيراً حَتَّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِي المَلإ العَظِيمِ مُحْتَبِياً لَيْسَتْ فِيهِ حَدِيدَةٌ"ونزلت هذه الآية {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} الآية.
ويقال: نزلت في شأن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} يعني: يكونوا خلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً بعد واحد.
ثم قال: {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك} يعني: بعد الأمن والتمكين {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون} أي العاصون.