كذلك في قوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} [النور: 64] فقد: للتحقيق ، ويعلم بالنسبة لله تعالى تعني عَلِم ، لكنه بالنسبة لك أنت يعلم: إذن: فهناك طرف منك وطرف من الحق سبحانه ، فبالنسبة للتحقيق جاء بقد ، وبالنسبة للاستقبال جاء بيعلم .
ثم يقول سبحانه: {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ} [النور: 64] وجاء في آية أخرى: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61] .
فإياك أن تفهم أن نظر الله ورؤيته سبحانه للأبعاض المختلفة في الأماكن المختلفة رؤية جزئية ، تتجه إلى شيء فلا ترى الآخر ، إنما هي رؤية شاملة ، كأن لكل شيء رؤية وحده ، وهذا واضح في قوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33] .
فسبحانه لا يشغله سَمْع عن سمع ، ولا بَصَر عن بصر ، فبصره سبحانه محيط ، واطلاعه دقيق ؛ لذلك يأتي جزاؤه حقاً يناسب دِقّة اطلاعه ، فإياك إذن أن تغفل هذه الحقيقة ، فربُّك قائم عليك ، ناظر إليك ، لا تَخْفى عليه منك خافية .
فيا مَنْ تتسلل لِوإذاً احذر ، فلا شيء أهمّ من مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورسول الله نفسه كان حريصاً أن يرى أصحابه في مجلسه بإستمرار ، والله تعالى يوصيه بذلك فيقول له: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} [الكهف: 28] .