حتى إن النمورد الذي جادل أبانا إبراهيم عليه السلام وقال: أنا أُحي وأميت لمَّا قال له إبراهيم: {فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب} [البقرة: 258] لم يستطع فِعْل شيء وبُهِت وانتهت المسألة .
ومُلْكه تعالى لم يقتصر على الخَلْق ، فخَلَق الأشياء ثم تركها تؤدي مهمتها وحدها ، إنما خلقها وله تعالى قيومية على ما خلق ، وتصرّف في كل شيء ، فلا تظن الكون من حولك يخدُمك آلياً ، إنما هو خاضع لإرادة الله وتصرّفه سبحانه .
فالماء الذي ينساب لك من الأمطار والأنهار قد يُمنع عنك ويصيب أرضك الجفاف ، أو يزيد عن حَدِّه ، فيصبح سيولاً تغرق وتدمر ، إذن: المسألة ليست رتابة خَلْق ، وليست المخلوقات آلاتٍ (ميكانيكية) ، إنما لله المْلك والقيومية والتصرُّف في كل ما خلق .
ثم يقول سبحانه: {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} [النور: 64] لفهم هذه الآية لا بُدَّ أن نعلم أن علاقة الحق تبارك وتعالى بالأحداث ليستْ كعلاقتنا نحن ، فنحن نعلم من علم النحو أن الأفعال ماضٍ ، وهو ما وقع بالفعل قبل أن تتكلم به مثل: جاء محمد ، ومضارع وهو إما للحال مثل: يأكل محمد . أو للاستقبال مثل: سيأكل محمد .
أما بالنسبة لله تعالى ، فالأحداث سواء كلها مَاضٍ وواقع ، وقد تكلمنا في هذه المسألة في قوله تعالى: {أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1] .
ومعلوم أن الاستعجال يكون للأمر الذي يأْتِ بَعْد ، والقيامة لم تأتِ بعد لكن عبَّر عنها بالماضي (أتى) لأنه سبحانه لا يعوقه ولا يُخرجه شيء عن مراده ، فكأنها أتتْ بالفعل ، إذن: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1] ليست منطقية مع كلامك أنت ، إنما هي منطقية مع كلام الله .