والحق تبارك وتعالى يريد ألاَّ يضيع منك حرف واحد من كلامه ، فينبهك بكلمة هي في الواقع لا معنى لها في ذاتها ، إلا أنها تنبهك وتُذهِب ما عندك من دهشة أو غفلة ، فتعي ما يُقال لك ، وهذا أسلوب عربي عرفته العرب ، وتحدثتْ به قبل نزول القرآن .
ويقول الشاعر الجاهلي يخاطب المرأة التي تناوله الكأس:
أَلاَ هُبِّي بصَحْنِكِ فَاصْبِحِيناَ ... وَلاَ تُبْقِي خُمُورَ الأَنْدرِينَا
يريد أن ينبهها إلى الكلام المفيد الذي يأتي بعد .
وبعد ألا التنبيهية يقول سبحانه: {إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض} [النور: 64] .
والسماوات والأرض ظرف فيهما كل شيء في الكون العُلْوي والسُّفْلي ، فلله ما في السماوات وما في الأرض أي: المظروف فيهما ، فما بال الظرف نفسه؟ قالوا: هو أيضاً لله ، كما جاء في آية أخرى: {للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض} [النور: 42] إذن: فالظرف والمظروف مِلْك له سبحانه .
وعادةً ما يكون الظرف أقلَّ قيمةً من المظروف فيه ، فما بداخل الخزينة مثلاً أثمن منها ، وما بداخل الكيس أثمن منه ، وكذلك عظمة السماوات والأرض بما فيهما من مخلوقات . لذلك إياك أنّْ تجعل المصحف الشريف ظرفاً لشيء مهم عندك فتحفظه في المصحف ؛ لأنه لا شيء أغلى ولا أثمن من كتاب الله ، فلا يليق أن تجعله حافظةً لنقودك ، أو لأوراقك المهمة ؛ لأن المحفوظ عادة أثمن من المحفوظ فيه .
وفي الآية: {ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض} [النور: 64] أسلوب قصر بتقديم الجار والمجرور ، فكلُّ ما في السماوات ، وكل ما في الأرض مِلْكٌ لله وحده ، لا يشاركه فيه أحد ، وعلى كثرة المفترين في الألوهية والفرعونية لم يَدَّعِ أحد منهم أن له مُلْكَ شيء منها .