قوله تعالى: « وَ إِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » .
أي أن هؤلاء الأطفال ، الذين أذن لهم بالطواف عليكم من غير استئذان فِي كل وقت ، ما عدا هذه الأوقات الثلاثة - هؤلاء الأطفال إذا زايلتهم صفة الطفولة ، وبلغوا الحلم ، ودخلوا مدخل البالغين - من رجال ونساء - أخذوا بحكمهم ، وأصبح لزاما عليهم أن يستأذنوا فِي جميع الأوقات ، لا فِي هذه الأوقات الثلاثة وحسب ..
ـ وفى قوله تعالى: « كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » إشارة إلى أن هذا الأمر وإن كان واضحا ، من حيث أن الطفولة هي التي قضت بإعفاء الأطفال من الاستئذان فِي غير هذه الأوقات الثلاثة ، فإذا زايلتهم الطفولة زايلهم حكمها الذي ترتب عليها - إلا أنه يمكن لمتأول أن يتأول الطفولة بأنها البنوّة ، ومن ثم فإن أبناء الرجل أو المرأة إذا بلغوا ، ظلّ هذا الأعفاء ملازما لهم .. فكان هذا البيان الحكيم ، وضعا للأمر فِي موضعه الصحيح ، وقاطعا الطريق على كل تأويل ، إذ كان الأمر من عظم الشأن بحيث يجب كشفه وبيانه على هذه الصورة الواضحة ، حتى لا يقع فيه لبس أو خفاء ..
ولابدّ من أن يقف المرء هنا وقفة متأملة أمام هذا الأدب الإسلامي الرفيع ، الذي يضفى على أتباعه سترا جميلا من التصوّن ، والتعفف ، والحياء ، بهذه الحواجز الرقيقة التي لا تشف عما وراءها من عورات ، وذلك لا يكون إلا فِي مجتمع كملت إنسانيته ، ورقت مشاعره ، فعرف لنفسه قدرها ، ولكرامته حقها ..