قلنا: تقديره: أذن للذين يقاتلون في القتال، وإنما حذف لدلالة يقاتلون عليه ولدلالة الحال أيضا، فإن كفار مكة كانوا يؤذون المؤمنين بأنواع الأذى وهم يستأذنون النبي صلّى الله عليه وسلّم في قتالهم، فيقول: لم يؤذن لي في ذلك، حتى هاجر إلى المدينة فنزلت هذه الآية، وهي أول آية نزلت في الإذن في القتال، فنسخت سبعين آية ناهية عن القتال، كذا قاله ابن عباس رضي الله عنهما؛ فكان المأذون فيه ظاهرا لكونه مترقبا منتظرا.
[716] فإن قيل: كيف قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ) [الحج: 39] مع أنهم ما كانوا يقاتلون قبل نزول هذه الآية؟
قلنا: معناه أذن للذين يريدون أن يقاتلوا، سماهم مقاتلين مجازا باعتبار ما يئولون إليه كما في النظائر، وقرئ: لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بفتح التاء، ولا إشكال على تلك القراءة.
[717] فإن قيل: كيف صح الاستثناء في قوله تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) [الحج: 40] ؟
قلنا: هو استثناء منقطع تقديره: لكن أخرجوا بقولهم ربنا الله.
الثاني: أنه بمنزلة قول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
تقديره: إن كان فيهم عيب فهو هذا، وليس بعيب فلا يكون هذا فيهم عيبا.
[718] فإن قيل: أي منّة على المؤمنين في حفظ الصوامع والبيع والصلوات، أي الكنائس عن الهدم حتى امتن عليهم بذلك في قوله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) [الحج: 40] الآية؟
قلنا: المنة في ذلك أن الصوامع والبيع والكنائس في حرم المسلمين وحراستهم وحفظهم، لأن أهلها ذمة للمسلمين.
الثاني: أن المراد به لهدمت صوامع وبيع في زمن عيسى صلّى الله عليه وسلّم، وصلوات، أي كنائس في زمن موسى صلّى الله عليه وسلّم، ومساجد في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم، فالامتنان على أهل الأديان الثلاثة لا على المؤمنين خاصة.
[719] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَكُذِّبَ مُوسى) [الحج: 44] ولم يقل وقوم موسى، كما قال الله تعالى فيما قبله؟
قلنا: لأن موسى عليه السلام ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه غير قومه وهم القبط.
الثاني: أن يكون التنكير والإبهام للتفخيم والتعظيم كأنه قال تعالى بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم: وكذب موسى أيضا مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره.