واختلفت القراءة في قوله"ننج"فقرأه العامة بنونين الثانية منهما ساكنة من الإنجاء على معنى نحن ننجي ، فإن قيل: لم كتبت في المصاحف بنون واحدة؟ قيل: لأنّ النون الثانية لمّا سكنت وكان الساكن غير ظاهر على اللسان حذفت ، كما فعلوا ذلك بإلاّ فحذفوا النون من لجعلها أو كاشفة إذا كانت مدغمةً في اللام ، وقرأ ابن عامر وعاصم برواية ابن بكر {نُنجِي المؤمنين} بنون واحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء ، واختلف النحاة في هذه القراءة فمنهم من صوّبها وقال: فيه إضمار معناه: نجي المؤمنين كما يقال: ضرب زيداً بمعنى ضرب الضرب زيداً . قال الشاعر:
ولو ولدت قفيرة جرو كلب ... لسُبَّ بذلك الجرو الكلابا
أراد لسبّه بذلك الجرو ولسبّ الكلابا.
قالوا: وإنّما سكّن الياء في نجّي كما سكّنوها في بقر فقالوا بقره ونحوها وإنّما اتبع أهل هذه القراءة المصحف لأنّها مكتوبة بنون واحدة.
وقال القتيبي: من قرأ بنون واحدة والتشديد فإنّه أراد ننجي من التنجية إلاّ أنّه أدغم وحذف نوناً على طلب الخفّة.
وقال النحويون: وهو رديء لبعد مخرج النون من الجيم ، وممن جوّز هذه القراءة أبو عبيد ، وأما أبو حاتم السجستاني فإنه لحّنها ونسب قارئها إلى الجهل وقال: هذا لحن لا يجوز في اللغة ، ولا يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب الله سبحانه وتعالى إلاّ أن يقول: وكذلك نُجي المؤمنين ، ولو قرئ كذلك لكان صواباً ، والله أعلم.
{وَزَكَرِيَّآ إِذْ نادى} دعا {رَبَّهُ} فقال {رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً} وحيداً لا {وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين * فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى} ولد لي ولا عقب وارزقني وارثاً ، ثمّ ردّ الأمر إلى الله سبحانه فقال {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} بأن جعلناها ولوداً بعد ما كانت عقيماً ، قاله أكثر المفسّرين ، وقال بعضهم: كانت سيئة الخلق فأصلحها له بأن رزقها حسن الخلق.