وخرج على ذلك معنى قوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا(71) .
والورود يكون الوصول إلى الماء أو الشيء شاهده، (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ) وصل
إليه، ويكون الدخول شاهده يقدم قومه يوم القيامة (فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) ، روي عن جابر بن
عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون"
على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم(ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ
الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا).
وروي نحو ذلك عن ابن عبَّاسٍ وروي عن ابن مسعود أنه قال:(وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا
وَارِدُهَا)يعني: الصراط، وروي أنه قال: يردونها ويصدرون عنها
بأعمالهم، وقال قتادة: ورودها الممر عليها.
وأمَّا ما روي عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه لو ثبت لكان الحجة البالغة وطريق
هذا هو العلم، ولا يصح العلم ولا يتحصل بطريق الآحاد، كيف وقد ضُعّفت نَقَلَة
هذا الحديث بأنهم مجهولون، والقائلين بمقتضى هذا الحديث من ظاهر العموم.
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) .
ونظيرتها في سورة (الم) السجدة قوله: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) إلى قوله: (وَلَوْ شِئْنَا
لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) .
فعمَّ بالذكر الْجِنَّة وَالنَّاس.
وأمَّا القائلون بأن الورود هنا هو بمعنى الممر والجواز فلهم حجة التخصيص،
قال الله عزَّ من قائل لإبليس - لعنه الله لما قال له: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82)