بالخطاب على مساقه في تقديمه ما قدم وتأخير ما أخَّر.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قول الله - جل ثناؤه:(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ
شَعَائِرِ اللَّهِ):"يبدأ بما بدأ الله به"بدأ بالصفا، ووافق ذلك اليوم
قوله:"خذوا عني مناسككم"وربما كان الذي أتاه مما لام عليه نفسه بعض
التأويلات كذنب رسول الله - عليه السَّلام - نوح في شفاعته في ابنه، وكذلك ذنوب أمثاله
كإبراهيم وموسى وغيرهم - صلوات الله وسلامه على جميعهم.
وقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم - أنه قال فيه:"إنه كان يرتفع له"
إلى الله كل يوم من عمله مثل عمل أهل الأرض"وما يدريك لعل معنى قوله - عز وجل -"
فيه: (وَهُوَ مُلِيمٌ) أنه أتى بما يلام عليه من حمله على نفسه؛
لإلقائه نفسه على أصعب الأمر وأشده في مساهمته على من هو الذي يجعل في
الحر أو نحو هذا والله أعلم بخصوص عباده وأرأف.
قوله تعالى:(فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ)هذا من المقدور الغائب كيف يكون منه النداء المعهود
وهو في بطن الحوت وغمرات المياه، وهي ظلمات كثيرة، وإنما نبهنا على هذا؛
لئلا يعتمد معتمد في وجود الكلام والتسبيح والتحميد وغيره على الصوت
الموجود عن هواء خارج، بل الكلام على هذه الشروط أحد أنواع الكلام والنداء
والإسماع والإفهام، فافهم.
قوله تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ...(88) . والغم يكون على
متوقع منتظر، والحزن على ما كان وفات، وعلى التحقيق فالغم ترادف الحزن
وتراكم الوجد وسد المذاهب، حتى لا يجد لما أهمه مخرجًا، والحزن سكون تلك
الحال مع وجد موجود.
قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88) . وعد من اللَّه صادق
لمن تاب وأناب إلى ربه واعترف كما فعل هو، عبر عن موجود حاله قوله:(لَا إِلَهَ
إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)مع أنه قد قدم صالحًا يذكر