وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ: {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} أَنَّهَا أَرْضُ الْأُمَمِ الْكَافِرَةِ، تَرِثُهَا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي هَذَا الْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَبَلَاغًا لِمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْفَرَائِضِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ إِلَى رِضْوَانِهِ , وَإِدْرَاكِ الطَّلِبَةِ عِنْدَهُ.
[عن] كَعْبٌ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} «إِنَّهُمْ لَأَهْلُ أَوْ أَصْحَابُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، سَمَّاهُمُ اللَّهُ عَابِدِينَ»
[وفي رواية] قَالَ:"صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَصَلَاةُ الْخَمْسِ , قَالَ: هِيَ مِلْءُ الْيَدَيْنِ وَالْبَحْرِ عِبَادَةً"
[وقيل] : {لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} لَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ""
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ،"قَالَ: يَقُولُونَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: لَبَلَاغًا"
وَيَقُولُ آخَرُونَ: فِي الْقُرْآنِ تَنْزِيلٌ لِفَرَائِضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، مَنْ أَدَّاهَا كَانَ بَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ قَالَ: عَامِلِينَ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: «إِنَّ فِي هَذَا لِمَنْفَعَةً وَعِلْمًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ , ذَاكَ الْبَلَاغُ»
وَقَوْلُهُ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى خَلْقِنَا إِلَّا رَحْمَةً لِمَنْ أَرْسَلْنَاكَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِي.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ، أَجَمِيعُ الْعَالَمِ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ أُرِيدَ بِهَا مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ؟ أَمْ أُرِيدَ بِهَا أَهْلُ الْإِيمَانِ خَاصَّةً دُونَ أَهْلِ الْكُفْرِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا جَمِيعُ الْعَالِمِ: الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ كُتِبَ لَهُ الرَّحْمَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ عُوفِيَ مِمَّا أَصَابَ الْأُمَمَ مِنَ الْخَسْفِ وَالْقَذْفِ»