وكان يونس اعتزلهم ينتظر هلاكهم ، فسأل بعض من مر عليه من أهل تلك المدينة ، فلما علم أنهم لم يهلكوا ، أنف أن يرجع إليهم مخافة أن ينسب إلى الكذب وَيُعَيَّرَ به ؛ و {ذَّهَبَ مغاضبا} ، يعني: أنفاً.
قال القتبي: غضب وأنف بمعنى واحد لقربهما.
وقال بعضهم: إنما غضب على الملك ؛ وذلك أن ملكاً من الملوك ، يقال له ابن تغلب ، غزا بني إسرائيل ونزل أيام عافيتهم ، أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل ، يسمَّى شعياء أن ائت حَزْقِيا الملك ، ومره ليبعث نبياً قوياً أميناً.
وكان في ملكه خمسة من الأنبياء ، فجاء شعياء إلى حزقيا وأخبره بذلك ، فدعا الملك يونس بن متى ، وأمره بأن يخرج ، فأبى أن يخرج وقال: إن في بني إسرائيل أنبياء أقوياء غيري ، فعزم عليه الملك ، فخرج وهو كاره ، فغضب على الملك.
فوجد قوماً قد شحنوا سفينتهم ، فقال لهم: أتحملونني معكم؟ فعرفوه فحملوه.
فلما شحنت السفينة بهم وأسرعت في البحر ، انكفأت وغرقت بهم ، فقال ملاحوها: يا هؤلاء ، إن فيكم رجلاً عاصياً ، وإن السفينة لا تفعل هذا من غير ريح ، إلا وفيكم رجل عاصٍ ، فاقترعوا فخرج بينهم يونس عليه السلام فقال التجار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله.
ثم أعادوا الثانية والثالثة ، فخرج سهم يونس ، فقال: يا هؤلاء ، أنا والله العاصي.
قال: فتلفف في كسائه وقام على رأس السفينة ، فرمى بنفسه فابتلعته السمكة ؛ فذلك قوله تعالى: {إِذ ذَّهَبَ مغاضبا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} يعني: لن يقدر عليه العقوبة ، ويقال: إن ذنبه لم يبلغ الذي نقدر عليه العقوبة ؛ ويقال: ظن أنا لن نضيق عليه الحبس ، كقوله: {وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربى أَهَانَنِ} [الفجر: 16] أي ضيق.
وقرأ بعضهم: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} بالتشديد ، فهو من التقدير ، وقراءة العامة بالتخفيف.