فإن قيل: إنك اشترطت أن تكون كل واحدة من الفقرتين في الكلام المسجوع دالّةً على معنى غير المعنى الذي دلَّت عليه أختها، وإنما اشترطت هذه الشريطة فرارًا من أن يكون المعنيان شيئًا واحدًا، ونرى قد ورد في القرآن الكريم لفظتان بمعنًى واحد في آخر إحدى الفقرتين المسجوعتين، كقوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} .
وكل رسول نبي؟!.
قلت في الجواب: ليس هذا كالذي اشترطته أنا في اختصاص كل فقرة بمعنى غير المعنى الذي اختصت به أختها، وإنما هذه هو إيراد لفظتين في آخر إحدى الفقرتين بمعنى واحد، وهذا لا بأس به، لمكان طلب السجع.
ألا ترى أن أكثر هذه السورة التي هي مريم - عليها السلام - مسجوعة على حرف الياء، وهذا يجوز لصاحب السجع أن يأتي به، وهو بخلاف ما ذكرته أنا؟
ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد غيَّر اللفظة عن وضعها طلبًا للسجع، فقال:"مأزورات"وإنما هي"موزورات"؟، وقال:"العين اللامَّة", وإنما هي"الملمة"؟ إلّا أنه ليس في ذلك زيادة معنى، بل يفهم من لفظة"مأزورات"أنها"موزورات"، وكذلك يفهم من لفظة"لامَّة"أنها بمعنى"ملمة".
فالسجع قد أجيز معه تغيير وضع اللفظة، وأجيز معه أن يورد لفظتان بمعنى واحد في آخر إحدى الفقرتين، ومع هذا فلم يجَز في استعماله أن يورد فقرتان بمعنى واحد؛ لأنه تطويل محض لا فائدة فيه.
{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) }
ومن هذا الضرب قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} وإنما قيل: {لَقَدْ جِئْتُمْ} ، وهو خطاب بعد قوله: {وَقَالُوا} ، وهو خطاب للغائب لفائدة حسنة، وهي زيادة التسجيل عليهم بالجراءة على الله تعالى، والتعرض لسخطه، وتنبيه لهم على عظم ما قالوه، كأنه يخاطب قوما حاضرين بين يديه منكرا عليهم، وموبخًا لهم. انتهى انتهى {المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لابن الأثير} ...