ولكن تَحْتمل هذه القراءةُ أن تكون النونُ فيها أصليةً ، وأن تكونَ للوقاية على أنها دخلَتْ على"لَدْ"الساكنة الدال ، لغةً في"لدن"فالتقى ساكنان فكُسِرَتْ نونُ الوقاية على أصلها . وإذا قلنا بأنَّ النونَ أصليةٌ فالسكونُ تخفيفٌ كتسكين ضاد"عَضْد"وبابِه .
وقرأ أبو بكرٍ بسكونِ الدال وتخفيفِ النون أيضاً ، ولكنه أَشَمَّ الدالَ الضَّمَّ مَنْبَهة على الأصل . واختلف القرَّاء في هذا الإِشمامِ ، فقائلٌ: هو إشارةٌ بالعضوِ مِنْ غيرِ صوتٍ كالإِشمام الذي في الوقف ، وهذا هو المعروف . وقائلٌ: هو إشارةٌ للحركةِ المُدْرَكةِ بالحسِّ فهو كالرَّوْم في المعنى ، يعني: أنه إتيانٌ ببعض الحركةِ . وقد تقدَّم هذا محرَّراً في يوسف عند قولِه {لاَ تَأْمَنَّا} [الآية: 11] ، وفي قوله في هذه السورةِ"مِنْ لدنه"في قراءة شعبة أيضاً ، وتقدَّم لك بحثٌ يعودُ مثلُه هنا .
وقرأ عيسى وأبو عمروٍ في روايةٍ"عُذُراً"بضمتين . وعن أبي عمرو أيضاً"عُذْرِي"مضافاً لياءِ المتكلم .
و {مِن لَّدُنِّي} متعلقٌ ب"بَلَغْتَ"، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ"عُذْرا".
قوله: {استطعمآ أَهْلَهَا} : جواب"إذا"، أي: سألاهم الطعامَ . وفي تكريرِ"أهلَها"وجهان ، أحدهما: أنه توكيدٌ من بابِ إقامةِ الظاهر مُقامِ المضمر كقوله:
3184 - لا أرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ ... نغَّصَ الموتُ ذا الغِنى والفقيرا
والثاني: أنَّه للتأسيسِ ؛ وذلك أنَّ الأهلَ المَأْتِيِّين ليسوا جميعَ الأهل ، إنما هم البعضُ ، إذ لا يمكن أَنْ يأتيا جميعَ الأهلِ في العادة في وقتٍ واحد ، فلمَّا ذَكَرَ الاستطعامَ ذكره بالنسبة إلى جميع الأهل كأنهما تَتَبَّعا الأهلَ واحداً واحداً ، فلو قيل: استطعماهم لاحتمل أنَّ الضميرَ/ يعودُ على ذلك البعضِ المأتِيِّ دونَ غيرِه ، فكرَّر الأهلَ لذلك .