ومن هذه الأرض المستوية المكشوفة التي لا تخبئ شيئاً ، ولا تخفي أحداً: {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً} .
ومن الحشر الجامع الذي لا يخلف أحداً إلى العرض الشامل: {وعرضوا على ربك صفاً} .. هذه الخلائق التي لا يحصى لها عدد ، منذ أن قامت البشرية على ظهر هذه الأرض إلى نهاية الحياة.. هذه الخلائق كلها محشورة مجموعة مصفوفة ، لم يتخلف منها أحد ، فالأرض مكشوفة مستوية لا تخفي أحداً.
وهنا يتحول السياق من الوصف إلى الخطاب. فكأنما المشهد حاضر اللحظة ، شاخص نراه ونسمع ما يدور فيه. ونرى الخزي على وجوه القوم الذين كذبوا بذلك الموقف وأنكروه: {لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة. بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعداً} .
هذا الالتفات من الوصف إلى الخطاب يحيي المشهد ويجسمه. كأنما هو حاضر اللحظة ، لا مستقبل في ضمير الغيب في يوم الحساب.
وإننا لنكاد نلمح الخزي على الوجوه ، والذل في الملامح.
وصوت الجلالة الرهيب يجبه هؤلاء المجرمين بالتأنيب: {ولقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} وكنتم تزعمون أن ذلك لن يكون: {بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعداً} !
وبعد إحياء المشهد واستحضاره بهذا الالتفات من الوصف إلى الخطاب يعود إلى وصف ما هناك:
{ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه} فهذا هو سجل أعمالهم يوضع أمامهم ، وهم يتملونه ويراجعونه ، فإذا هو شامل دقيق. وهم خائفون من العاقبة ضيقو الصدور بهذا الكتاب الذي لا يترك شاردة ولا واردة ، ولا تند عنه كبيرة ولا صغيرة: {يقولون: يا ويلتنا. مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، إلا أحصاها؟} وهي قولة المحسور المغيظ الخائف المتوقع لأسوأ العواقب ، وقد ضبط مكشوفاً لا يملك تفلتا ولا هرباً ، ولا مغالطة ولا مداورة: {ووجدوا ما عملوا حاضراً} ولاقوا جزاء عادلاً: {ولا يظلم ربك أحداً} ..