قال أبو بكر الأصم: لم يجيبوهم في وقت، وقد أجابوهم في وقت آخر، وهو ما قالوا: (إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ) ، ولكن قوله: (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ) ؛ لما كانوا يعبدونها في الدنيا، وإنَّمَا كانوا يعبدونها طمعا أن يكونوا لهم شفعاء وأنصارا؛ كقولهم (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) ، (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وقوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) ، فيكون قوله: (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ) : ما طمعوا هم بعبادتهم الأصنام: من الشفاعة، والنصرة، ودفع ما حل بهم عنهم، والمنع عن عذاب اللَّه، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا) .
أي: بين أُولَئِكَ وبين الأصنام، (مَوْبِقًا) ، قَالَ بَعْضُهُمْ: مهلكا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الموبق: الذي يفرق بينهم وبين آلهتهم في جهنم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: نهر فيها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: جعلنا وصلهم في الدنيا الذي كان بين المشركين وبين الأصنام مَوْبِقًا، أي: مهلكا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا ...(53)
أي: علموا وأيقنوا أنهم داخلوها.
(وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا) .
أي: لم تقدر الأصنام التي عبدوها أن تصرف النار عنهم: قال أبو عبيدة: (وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا) ، أي: معدلا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا(54)
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا) قد ذكرناه وبيناه في غير موضع، وقوله: (مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) يحتمل وجهين: أحدهما: مِن ص مَثَلى، أي: من كل صفة؛ كقوله: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) أي: الصفات العليا.
والثاني؛ المثل: هو الشبيه؛ كقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .