ويثاب. وإن الله - عز وجل - لم يخصص من قوله وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ .. بعضا دون بعض في كتاب، ولا بخبر عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أهوال يوم القيامة، ذلك اليوم الذي تنفع فيه الباقيات الصالحات، وليس الأموال ولا الأولاد، فقال - تعالى -:
[سورة الكهف (18) : الآيات 47 إلى 49]
(وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً(47)
والظرف في قوله: - تعالى - وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ منصوب بفعل محذوف تقديره:
«اذكر» .
والمراد بتسيير الجبال: اقتلاعها من أماكنها، وصيرورتها كالعهن المنفوش.
أي: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ، أهوال يوم القيامة، يوم نقتلع الجبال من أماكنها، ونذهب بها حيث شئنا، ونجعلها في الجو كالسحاب، كما قال - سبحانه -:
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ.
وكما قال - عز وجل -: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً.
وقوله: وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً .. بيان لحالة ثانية من أهوال يوم القيامة.
أي: وترى - أيها المخاطب - الأرض ظاهرة للأعين دون أن يسترها شيء من جبل، أو شجر، أو بنيان.
يقال: برز الشيء بروزا، أي: خرج إلى البراز - بفتح الباء - أي: الفضاء وظهر بعد الخفاء.
قال - تعالى -: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ. وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ.
ثم بين - سبحانه - حالة ثالثة من أهوال يوم القيامة فقال: وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً.
أي: وحشرنا الخلائق جميعا، بأن جمعناهم في المكان المحدد لجمعهم، دون أن نترك منهم أحدا، بل أخرجناهم جميعا من قبورهم لنحاسبهم على أعمالهم.
والفعل «نغادر» من المغادرة بمعنى الترك، ومنه الغدر لأنه ترك الوفاء والأمانة وسمى الغدير من الماء غديرا، لأن السيل ذهب وتركه.
ثم تذكر السورة الكريمة حالة رابعة من أهوال يوم القيامة، هي حالة العرض بعد حالة الجمع فتقول: عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا.