{وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} : أَي وجمعناهم إلى الموقف من كل حدب وصوب بعد قيامهم من قبورهم، فلم نترك منهم أَحدا، هانَ شأنه أوعَظُم كما قال سبحانه: {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} . وأَثر التعبير بالماضى في قوله: {وَحَشَرْنَاهُمْ} للدلالة على تحقق وقوع الحشر التابع للبعث الذي أنكروه حيث قالوا: {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} تكذيبا لهم وتقريعا؟.
48 - {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا ... } الآية.
أي أنهم يُحَضرُون يوم الموقف العظيم لا يتخلف منهم أحد فيقفون مجتمعين غير متفرقين، ليقضى الله بينهم بالحق وفي قوله: {صَفًّا} ما يشير إِلى اجتماعهم صفوفا، وفي الحديث الصحيح:"يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد صفوفًا".
وقال مقاتل يعرضون صفا بعد صف لا أنهم صف واحد.
{لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} : تقريع للمشركين المنكرين للمعاد، وتوبيخ لهم على رءُوس الأَشهاد، وذلك بأن يقال لهم لقد جئتمونا على هيئة تشبه الهيئة التي كنتم عليها عند خلقكم أَول مرة، حفاة عراة غُرْلا أَي غير مختونين، وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرْلا. قلت يا رسول الله الرجال والنساءُ، ينظر بعضهم إِلى بعض قال: يا عائشة الأمر أَشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض". وفي رواية أُخرى"الأمر أشد من أَن يهمهم ذلك".
أَو يقال لهم: لقد جئتم وليس معكم شيء مما كنتم تفتخرون به من الأموال والأنصار لقوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} . أي بعثناكم بعد الموت فرادى كهيئتكم عند خلقكم وإحيائكم أول مرة بلا مال ولا ولد ولا سلطان.