لمقابلة قوله ويجوز الخ. فيكون بيانا لمقول الْقَوْل أي قيل الحق ما يكون من جهة الله
فالتَّفْسير لقوله: (منْ رَبّكُمْ) للإشَارَة إلَى أن (مِنْ) ابتدائية وكونه تَعَالَى مبدأ
للحق من حيث إنه واضعه وشارعه، وهذا معنى كونه من جهة اللَّه تَعَالَى جهة معنوية
وحاصل الْمَعْنَى. وقيل للمشركين الحق أي جنس الحق ما ثبت من الله تَعَالَى كالذي أنت
عليه لا ما لم يثبت كالذي عليه المشركون وهو الذي أشار إليه بقوله لا ما يقتضيه الهوى
ولما كان لام الحق للجنس أفاد القصر أي الحق مقصور عَلَى الاتصاف بكونه منْ رَبّكُمْ
لا يتجاوز إلَى الاتصاف بكونه من غيره تَعَالَى فيكون من قصر الْمَوْصُوف عَلَى الصّفَة وأن
القصر إضافي بالنسبة إلَى مقتضى الهوى لا لكون الحق من غيره تَعَالَى سوى مقتضى
الهوى فإنه غير صحيح؛ إذ الكل راجع إليه تَعَالَى بل لأن قصر الْمَوْصُوف لا يكون حقيقيًا.
قوله: (ويجوز أن يكون الحق خبر مبتدأ مَحْذُوف ومِنْ رَبِّكُمْ حالًا) أي حالًا مؤكدة
أو خبر بعد خبر فالتقدير هُوَ الموحى إليك ونحوه الحق حال كونه ثابتًا من اللَّه تَعَالَى.
قوله: (لا أبالي بإيمان من آمن وكفر من كفر) أي الأمر ليس عَلَى حقيقته بل مجاز
عن عدم المبالاة والتسوية بَيْنَهُمَا؛ إذ الأمر بالكفر ليس بمراد بل هُوَ للتهديد أو اسْتعَارَة
للخذلان بتشبيه حال من هُوَ كَذَلكَ بحال المأمور بالمخالفة. وجه الشبه ما أشار إليه وهو
عدم المبالاة. وجه الارتباط أنه قيل لصناديد قريش إيمانكم لو آمنتم إنما ينفعكم إيمانكم
فلإيمانكم لا يطرد فقراء الْمُسْلمينَ عن مجلس الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ إن شئتم آمنتم وإن
شئتم بقيتم عَلَى الكفر فهذا إقناط كلي في عدم طرد فقراء الْمُسْلمينَ.
قوله: (وهو لا يقتضي استقلال العبد بفعله فإنه وإن كان بمشيئته فمشيئته ليست
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: وهو لا يقتضي استقلال العبد بفعله. فإنه وإن كان لمشيئته فمشيئته ليست بمشيئته فإنه
لو كانت مشيئته بمشيئته نفسه فلا بد لتلك المشيئة مشيئة أخرى من نفسه يلزم النسلسل وهو محال
فلا بد من انتهاء مشيئته إلَى مشيئته ليست بمشيئة نفسه بل بمشيئة الله تَعَالَى يكون الكل من الله
تَعَالَى وقوله هذا رد عَلَى المعتزلة في قوله العبد خالق لفعله مستدلين بظَاهر هذه الآية. وهذا هُوَ
محصول [قول] الإمام في هذا المقام حتى قال: إن الْإنْسَان مضطر في صورة مختار. أقول: هذا مقام
صعب لانتهاء البحث إلَى الجبر فيشكل أمر التكليف وبعثة الْأَنْبيَاء فإن كل ذلك منوط باختيار العبد
والإمام رحمه الله قصد الفرار من مذهب أهل الاعتزال في هذا البحث ووقع في أمر أشكل منه.
ومن هذا إن المعتزلة سموا أهل السنة بالمجبرة فأقول: لا يمكن التفصي عن هذا الإشكال إلا بأن
يقال المشيئة أمر نسبي لا تحقق له في الخارج فلا يقتضي علة موجدة بل هي أمر ينبعث من نفس
العبد لتصور نفع ما في الْفعْل وذلك التصور هُوَ الباعث الداعي لانبعاثها معها بحَيْثُ لا يؤدي إلَى
حد الجبر وبذلك لا يكون العبد مجبورًا مقسورًا بل يكون مختارًا في الْفعْل والترك، ومن هذا قال
أهل السنة من الْمُتَكَلّمينَ الكسب من العبد والخلق من الله تَعَالَى.