والظاهر من سياق هذه الآيات وما بين السطور أن الرجلين كان يملك كل منهما مزرعة منسقة من المزارع الفيحاء، ذات الحدائق الغناء، التي يضرب بها المثل، في المياه الجارية، والأشجار الباسقة، والثمار الشهية، ثم اضطر أحدهما للتخلي عن مزرعته، فباعها للآخر، بغية الوفاء بالتزامات كانت في ذمته، وهكذا آلت إحدى المزرعتين إلى الثاني، فأصبحت المزرعتان معا"جنة واحدة"في ملكه، بينما الآخر أصبح لا يملك شيئا {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} ، غير أن الثاني الذي اتسعت دائرة ملكه زاده ذلك طغيانا وعدوانا، فأخذ يتبجح على رفيقه بسعة المال وكثرة الولد، واطمأن إلى أن مزرعته الكبرى أصبحت في مأمن من جميع الجوائح، وأعلن شكه في قيام الساعة نفسها، ثم عقب على شكه بأنه حتى على فرض قيام الساعة سيكون محظوظا في الآخرة كما هو محظوظ في الدنيا، كأنه مفروض على الله أن يملي له باستمرار، ناسيا قوله تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} ، وإلى هذا الموقف يشير
قوله تعالى حكاية عنه: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} ، وحيث إن هذا الشخص وأمثاله من الكافرين بنعمة الله، والمكذبين بلقائه، لا ينتظر أن يكون له نصيب في"جنة الخلد"قال كتاب الله في شأنه"ودخل جنته"، أي دخل جنته التي في دنياه، إشارة إلى أن المزرعة الكبرى التي يتبجح بها ويتكبر هي جنته الأولى والأخيرة {وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى: 20] .