وذلك أن (آمن) أَفْعَل، من (أَمِنَ) ، والواحد إذا قال: آمنت بالله.[فإن (آمنت) فعل متعد، ومعناه: آمنت نفسي، أي: جعلتها في أمان الله بتصديقي إياه، لأن الأمن من عذاب الله لا يحصل إلا بتصديقه، فإذا صدقه فقد آمن نفسه، فصار التصديق إيمانا للعبد، وجاز أن يعبر عن الإيمان بالتصديق، لأن أحدهما سبب للآخر.
و (الباء) في قولك: (آمنت بالله) ] ليست (باء) التعدية، إنما هي (باء) الإلصاق التي يسميها النحويون (باء) الاستعانة، كما تقول: قطعت القلم بالسكين.
كذلك وقع إيمان النفس من العذاب بتصديق الله، وحذف المفعول من قولهم: (آمنت بالله) لدلالة المعنى عليه، كقولهم: حمل فلان على العدو، أي: سلاحه أو نفسه، هذا هو الأصل في الإيمان، ثم جعل الإيمان بمعنى التصديق في قوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17] أي: بمصدق، ولم يقل: (بنا) لأنه أريد ها هنا التصديق الخالص، لا إيمان بالنفس من العذاب، كما أريد ذلك في قولهم: (آمنت بالله)
وأما الفرق بين الإيمان والإسلام فسنذكره عند قوله: {قُل لم تُؤمِنُواْ وَلَكن قُولُوا أسلمَنَا} [الحجرات: 14] إن شاء الله.
وسمي أحدهما باسم الآخر مجازا وتوسعا، كقوله تعالى:
{فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَاَ} الآية [الذاريات: 35, 36] .
وفي بعض القراءات {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المنافقون: 2] بكسر الألف، بمعنى الشهادة باللسان.
وفي قوله {يُؤمِنُونَ} قراءتان، تحقيق الهمزة وتليينها.
فمن حقق، فحجته: أن الألف في (آمن) لا تخلو إما أن تكون زائدة، أو منقلبة، فلا يجوز أن تكون زائدة، لأنها لو كانت كذلك لكان (فَاعَل) [ولو كان (فَاعَل) ،] كان مضارعه (يُفَاعِل) فلما كان مضارعه (يؤمن) دل على أنها غير زائدة، فإذا لم تكن زائدة كانت منقلبة، ولا يخلو أنقلابها من أن يكون عن: (الواو) أو عن (الياء) أو عن (الهمزة) ، ولا يجوز أن تكون منقلبة عن (الواو) ، لأنها في موضع سكون، [وإذا كانت في موضع سكون] وجب تصحيحها، وبمثل هذه الدلالة لا يجوز انقلابها