وفي عبارة المفسرين أشير بذلك إلى الغائب يعنون البعيد ، وإلا فالمشار إليه لا يكون إلا حاضراً ذِهْناً أو حِسّاً ، فعبروا عن الحاضر ذِهْناً بالغائب أي حسّا وتحريراً لقول ما ذكرته لك.
وقال الأصَمّ وابن كيْسَان: إن الله - تعالى - أنزل قبل سورة"البقرة"سوراً كذب بها المشركون ، ثم أنزل سورة"البقرة"فقال:"ذلك الكتاب"يعني ما تقدّم"البقرة"من السّور لا شك فيه.
و"الكتاب"فِي الأصل مصدر ؛ قال تعالى: {كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ} [النساء: 24] وقد يراد به المكتوب ، قال الشاعر: [الطويل]
بَشَرْتُ عِيَالِي إِذْ رأَيْتُ صَحِيفَةً...
أَتَتْكَ مِنَ الحَجَّاجِ يُتْلَى كِتَابُهَا
ومثله [الوافر]
تُؤَمِّلُ رَجْعَةً مِنِّي وفِيهاَ...
كِتَابٌ مِثْلُ مَا لَصِقَ الْغِرَاءُ
وأصل هذه المادة الدّلالة على الجَمْعِ ، ومنه كتيبة الجَيْش ، وكَتَبْتُ القربة ، وكَتَبْتُ القربة: خَرَزْتُها ، وَالكُتَبة - بضم"الكاف"الخرزة ، والجمع كَتَب ، قال: [البسيط]
وَفْرَاءَ غَرْفِيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزُهَا...
مُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْهُ بَيْنَهَا الْكُتَبُ
وكَتَبْتُ الدَّابة [إذا جَمَعْتَ بين شُفْرَي رَحِمِها بِحَلْقَةٍ أَو سَيْرٍ] قال الشاعر: [البسيط]
لاَ تَأْمَنَنَّ فَزَارِيَّا حَلَلْتَ بِهِ...
عَلَى قَلُوصِكَ واكتُبْهَا بِإِسْيَارِ
والكتابة عرفاً ضمّ بعض حروف الهجاء إلى بعض.
قال ابن الخطيب:"واتفقوا على أنَّ المراد من الكتاب القرآن ، قال تبارك وتعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} [ص: 29] ."
والكتاب جاء فِي القرآن جاء فِي القرآن على وجوه:
أحدها: الفرض {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص} [البقرة: 178] {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام} [البقرة: 183] ، {إِنَّ الصلاة كَانَتْ عَلَى المؤمنين كِتَاباً مَّوْقُوتاً} [النساء: 103] .