وقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} إشارة إلى ما يحاوله الكفار من الضغط على الرسل بغية التسليم لهم بملتهم، وما يهددونهم به من النفي والإبعاد عن أرضهم إن لم يذعنوا لضغطهم، ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة الإسراء خطابا لرسوله عليه الصلاة والسلام: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا} [الآيتان: 76، 77] ، وإلى قوله تعالى في سورة الأنفال خطابا لرسوله أيضا {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الآية: 30] ، وإلى قول ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم:"يا ليتني فيها جذعا، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك. قال: أو مخرجي هم؟ قال: نعم. لم يأت أحد بمثل ما"
جئت به إلا عودي وأخرج، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا". قال أبو القاسم ابن جزي:"والعود هنا -أي في قوله- {لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} بمعنى الصيرورة -أي تصيرون على ملتنا- وهو كثير في كلام العرب، ولا يقتضي أن الرسل كانوا في ملة الكفار قبل ذلك، (فحاشاهم من ذلك) .
وقوله تعالى: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} إشارة إلى ما قام به الرسل عليهم السلام من الاستنجاد بالله وطلب نصره لهم على الكفار من قومهم، وإلى أن الله لم يخلف وعده رسله، بل نصرهم على خصومهم {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} .